الإثنين ١٠ - أغسطس - ٢٠٢٦ القاهرة
11:15:30am

ارتفاع أسعار الكهرباء… إلى متى يبقى المواطن هو الممول الوحيد للأزمات؟

الإثنين ١٠ - أغسطس - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور.فريد شوقي المنزلاوي

في كل مرة ترتفع فيها أسعار الكهرباء، يُطلب من المواطن أن يتفهم ويصبر ويتحمل من أجل

الإصلاح الاقتصادي

 

ونحن نقولها بكل وضوح

نعم للإصلاح… نعم لإنقاذ الاقتصاد… نعم لبناء دولة قوية وقادرة

 

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون المواطن هو الحلقة الأسهل دائمًا في كل معادلة اقتصادية

 

المواطن المصري تحمل الكثير وما زال يتحمل، لكنه يحتاج أن يشعر بأن ما يدفعه اليوم سيعود عليه

غدًا في صورة حياة أفضل، وفرص أكبر، وخدمات أكثر كفاءة

 

المواطن ليس مجرد رقم في معادلة اقتصادية

ارتفاع أسعار الكهرباء لا يتوقف عند فاتورة المنزل؛ فالكهرباء تدخل في تكلفة الصناعة والزراعة والتجارة

والخدمات، وبالتالي تنتقل الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، ويدفع المواطن التكلفة أكثر من مرة

 

وهنا يجب أن نسأل بشجاعة

هل رفع الأسعار هو الحل الوحيد؟

أم أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة تحميل المواطن المزيد من الأعباء إلى سياسة تقوم على

زيادة الإنتاج، وتعظيم الموارد، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة الإنفاق؟

 

الإصلاح الحقيقي لا يعني أن ندفع أكثر فقط

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس فقط بزيادة أسعار السلع والخدمات، وإنما بقدرتنا على زيادة الإنتاج

وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، ومواجهة الهدر، واستخدام التكنولوجيا لخفض التكلفة

وتوسيع قاعدة الإيرادات

 

نحن لا نحتاج إلى اقتصاد يطلب من المواطن أن يدفع أكثر فقط، بل إلى اقتصاد يجعل المواطن

يكسب أكثر أيضًا

 

وهذا ممكن، فمصر تمتلك مقومات حقيقية للنمو، وما نحتاجه هو حسن استغلال هذه الإمكانات وتحويلها

إلى إنتاج وفرص ودخل

 

إذن… ما الحل؟

هناك مسارات كثيرة يمكن أن تسير بالتوازي مع إصلاح أسعار الطاقة، وتساعد على تخفيف الضغط عن

المواطن وبناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة

 

أولًا: التوسع في الطاقة المتجددة

تمتلك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتوسع في استخدامها يمكن أن يعزز

أمن الطاقة ويسهم في خفض تكلفة إنتاج الكهرباء مستقبلًا

 

ثانيًا: مواجهة الفاقد والهدر

قبل أن نطلب من المواطن المزيد، يجب أن نسأل بوضوح

أين الفاقد؟ وأين الهدر؟

وكيف يمكن خفض تكلفة التشغيل وتحسين كفاءة منظومة الطاقة؟

 

فكل جنيه يتم توفيره من الهدر يمكن أن يخفف الضغط عن المواطن أو يُعاد توجيهه إلى تحسين الخدمة

 

ثالثًا: دعم الصناعة والإنتاج

الصناعة القوية تعني إنتاجًا أكبر، وفرص عمل أكثر، وصادرات أعلى، وإيرادات أكبر للدولة

والاقتصاد لا يمكن أن يخرج من أزماته بالتحصيل فقط، بل بالخروج إلى الإنتاج والتصدير والاستثمار

 

رابعًا: حماية الطبقة المتوسطة

الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للمجتمع، وأي زيادة متتالية في تكاليف المعيشة تضعف قدرتها

على الاستهلاك والادخار والاستثمار في مستقبل أبنائها

 

لذلك يجب أن تكون حماية هذه الطبقة جزءًا أساسيًا من أي سياسة اقتصادية

 

خامسًا: ربط أي زيادة بتحسن ملموس في الخدمة

المواطن يستطيع أن يتفهم الإصلاح عندما يرى نتيجته

 

فإذا ارتفعت التكلفة، يجب أن يرى في المقابل خدمة أفضل، وكفاءة أعلى، وهدرًا أقل

ووضوحًا في كيفية إدارة الموارد

 

لا نريد صدامًا… نريد حوارًا صريحًا

الحديث عن الأعباء الاقتصادية لا يعني الوقوف ضد الدولة أو رفض الإصلاح

نحن نريد اقتصادًا أقوى، ودولة أقوى، ومواطنًا أقوى

 

لكن الدولة القوية هي التي تستطيع مواجهة الأزمات من خلال تعدد الحلول، وليس من خلال تحميل

المواطن وحده تكلفة كل أزمة

 

نحتاج إلى حوار اقتصادي وطني واضح يشارك فيه الخبراء والمستثمرون وأصحاب الصناعة والمواطنون

ومؤسسات الدولة، لوضع خريطة معلنة

 

أين نحن اليوم؟

إلى أين نريد أن نصل؟

ما الذي سيدفعه المواطن؟

وما النتائج التي سيحصل عليها؟

 

فالشفافية لا تضعف الدولة، بل تزيد ثقة المواطن فيها

مصر تستطيع… والأمل في المستقبل أكبر

مصر ليست فقيرة في الإمكانات

 

لدينا شباب، وموقع جغرافي متميز، وسوق كبير، وفرص استثمارية، وقدرات صناعية وزراعية وسياحية هائلة

 

والتحدي الحقيقي ليس في غياب الفرص، وإنما في تحويلها إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخل، والدخل إلى

حياة أفضل للمواطن

 

وأنا مؤمن أن مصر قادرة على ذلك، وأن الأزمات مهما كانت صعبة فهي ليست نهاية الطريق، بل يمكن

أن تكون بداية لمرحلة جديدة إذا أحسنا إدارة مواردنا ووجهنا طاقاتنا نحو العمل والإنتاج

 

ولهذا يجب ألا يكون هدفنا فقط خفض فاتورة الكهرباء، بل بناء اقتصاد يجعل المواطن قادرًا على تحمل

تكاليف الحياة لأن دخله وفرصه وإنتاجيته تتحسن

 

كلمة أخيرة

المواطن المصري لم يتخلَّ يومًا عن وطنه. صبر وتحمل ووقف إلى جانب بلده في أصعب الظروف

لكن الصبر لا يجب أن يتحول إلى سياسة اقتصادية دائمة

نريد إصلاحًا لا يخيف المواطن، بل يطمئنه

 

ونريد اقتصادًا لا يكتفي بطلب المزيد من جيبه، بل يفتح أمامه أبوابًا جديدة للعمل والإنتاج والدخل

 

نريد دولة قوية، نعم… لكننا نريد معها مواطنًا قويًا، قادرًا، مطمئنًا، يشعر أن ثمار التنمية تصل إلى بيته

 

فالمواطن لا يرفض الإصلاح… لكنه يريد إصلاحًا عادلًا

مصر تملك من الإمكانات ما يجعلها قادرة على العبور، والطريق إلى المستقبل ليس مستحيلًا

 

نحتاج فقط إلى أن نثق في قدراتنا، ونواجه الهدر، ونشجع الاستثمار، وندعم الصناعة، ونزيد الإنتاج

ونحقق العدالة في توزيع أعباء الإصلاح

 

فالإصلاح الحقيقي ليس أن يدفع المواطن أكثر… بل أن يصبح المواطن غدًا قادرًا على أن يعيش أفضل

 

وهذه هي المعادلة التي أؤمن أننا نستطيع تحقيقها

دولة أقوى… اقتصاد أكثر إنتاجًا… ومواطن أكثر قدرة واطمئنانًا

 

 



موضوعات مشابهه