ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ.... هل تكفي زيادة الأسعار وحدها لإنقاذ الاقتصاد؟
السبت ٠١ - أغسطس - ٢٠٢٦
بقلم / دكتور فريد شوقى
في أوقات الشدة، لا تكون قوة الدول في قدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة فحسب، بل في قدرتها على
تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح، واحتياجات المواطن الذي يتحمل أعباء الحياة اليومية
تمر مصر بمرحلة اقتصادية دقيقة، فرضتها تحديات عالمية وإقليمية متشابكة، ولا ينكر أحد أن الدولة
تسعى للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وأن الإصلاح قد يتطلب إجراءات استثنائية
لكن تبقى الحكمة هي الميزان الذي يضمن نجاح أي سياسة، ويحول دون أن تتحول الحلول المؤقتة
إلى أعباء دائمة
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل
هل أصبحت زيادة الأسعار هي الوسيلة الأكثر حضورًا في مواجهة الأزمات الاقتصادية وتقليل أعباء الديون؟
قد توفر زيادة الأسعار موارد مالية للدولة على المدى القصير، لكنها في المقابل تستنزف قدرة المواطن
على التحمل، وتؤثر في القوة الشرائية، وتزيد من الضغوط على الأسرة المصرية، خاصة مع تكرار موجات الغلاء
إن المواطن المصري لم يبخل يومًا على وطنه بالصبر والتضحية، وكان دائمًا شريكًا في تحمل المسؤولية
عندما لمس وضوح الرؤية وعدالة توزيع الأعباء
لكنه اليوم ينتظر أن يرى إلى جانب إجراءات رفع الأسعار خطوات موازية تعزز الإنتاج، وتوسع فرص العمل
وتجذب الاستثمار، وتدعم الصناعة الوطنية، وتحد من الهدر، حتى يشعر أن تضحياته تقود إلى مستقبل أفضل
إن الدولة القوية لا تعتمد على الإيرادات وحدها، وإنما تبني قوتها باقتصاد منتج، واستثمار فاعل
وإدارة رشيدة للموارد، وثقة متبادلة بينها وبين مواطنيها
فكلما شعر المواطن بالعدل والإنصاف، ازدادت قدرته على الصبر والعطاء، وازداد التفافه حول وطنه ومؤسساته
ولعل المرحلة الراهنة تحتاج إلى مزيد من الحوار، والاستماع إلى نبض الشارع، وإعادة تقييم أثر القرارات
الاقتصادية على مختلف فئات المجتمع، حتى لا يتحمل المواطن وحده الكلفة الأكبر للإصلاح
فنجاح أي برنامج اقتصادي لا يُقاس فقط بتحسن المؤشرات المالية، وإنما أيضًا بمدى انعكاسه على
حياة الناس واستقرارهم، وأملهم في الغد
إن الرسالة ليست رفضًا للإصلاح، ولا اعتراضًا على جهود الدولة، بل هي دعوة مخلصة إلى أن يكون الإنسان
محور التنمية، والمواطن شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لتبعاته
فليكن شعار المرحلة: الإصلاح بالإنتاج قبل الجباية، وبالاستثمار قبل زيادة الأعباء، وبالرحمة قبل الأرقام
فكلما راعينا أحوال الناس، ازدادت قوة الوطن، واشتد تماسكه، وتحولت التحديات إلى فرص حقيقية للنهوض
«ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»… فهي ليست دعوة أخلاقية فحسب، بل منهجٌ
في إدارة الأوطان، وبناء الثقة، وتحقيق التنمية المستدامة


