الإثنين ١٤ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
10:11:35pm

الذباب الذي هزّ غرور الإنسان

الإثنين ١٤ - سبتمبر - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور. فريد شوقي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي

 

لماذا ذكر الله الذباب في القرآن؟

سؤال قد يبدو بسيطًا، لكن وراءه رسالة تهز الإنسان من داخله.

 

قال الله تعالى

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۖ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ

وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ «[الحج: 73]»

 

تأمل اختيار المثل

الإنسان قد يندهش أمام الجبال والبحار والنجوم، لكن عظمته قد تتحول إلى غرور؛ فيظن أن ما

وصل إليه من علم وقوة يجعله قادرًا على كل شيء.

 

فيأتي القرآن بمخلوق صغير لا يكاد الإنسان يلتفت إليه، ويضع أمامه الحقيقة بلا زينة:لن تستطيع أن تخلق ذبابًا.

 

يمكنك أن تقلّد صورته، وأن تصنع آلة تشبه حركته، وأن تدرس جسده بدقة، لكنك لا تستطيع

أن تمنحه الحياة.

 

وهنا الفرق بين الصنعة والخلق

الإنسان يستطيع أن يركّب أشياء موجودة، وأن يكتشف قوانين أودعها الله في الكون، لكنه

لا يملك سر الإيجاد من العدم.

 

ولهذا جاء التعبير القرآني: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾

فالمسألة ليست عجز شخص، وإنما تذكير بأن الخلق كله، مهما بلغ من علم، يبقى مخلوقًا.

 

ثم يقول الله:﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾

مخلوق صغير، ومع ذلك يستطيع أن يأخذ شيئًا لا يستطيع الإنسان استرداده منه.

 

إنها صورة تختصر معنى كبيرًا: قد يكون الإنسان عظيمًا في نظر نفسه، لكنه يظل محدود القدرة

أمام مخلوقات الله.

 

وهنا لا يريد القرآن أن يحطم الإنسان، بل أن يحرره من وهم العظمة الزائفة.

فالعلم نعمة، لكن ليس لنا أن نغتر به... والمال نعمة، لكنه ليس دليلًا على الاستغناء.

والقوة نعمة، لكنها ليست ملكًا دائمًا...كل ما في أيدينا عطاء مؤقت، وكل قدرة نملكها منحها الله لنا.

والإنسان الذي يفهم هذه الحقيقة لا يصبح ضعيفًا؛ بل يصبح أكثر اتزانًا.

 

ينجح دون أن يتكبر... ويملك دون أن يطغى... ويعلم دون أن يحتقر من لا يعلم... ويعلو في الدنيا

وقلبه يعرف أنه عبد.

 

وهنا تكمن عظمة المثل القرآني

الله لم يحتج إلى أن يذكّر الإنسان بالمجرات حتى يعرّفه بعظمته؛ أوقفه أمام ذبابة.

 

كأن المعنى: لا تنظر إلى صِغر المخلوق، وانظر إلى عظمة من خلقه.

ولا تنظر إلى ما في يدك، وانظر إلى من أعطاك إياه... ولا تنظر إلى ما وصلت إليه، وانظر إلى منم

مكّنك من الوصول.

 

فالذي يعجز عن خلق ذبابة، لا يليق به أن يتعامل مع الحياة وكأنه مالكها... وفي النهاية، ليست القضية

قضية ذباب.

 

القضية هي الإنسان عندما ينسى قدره، وربه عندما يذكّره.

 

قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

جملة قصيرة، لكنها كافية لتضع كل غرور في حجمه.... فإذا أعجبتك نفسك يومًا، فتذكر أنك مخلوق.

وإذا أعجبك ما في يدك، فتذكر أنه عطاء.

وإذا ظننت أنك بلغت من القوة ما لا يُغلب، فتذكر أن كل قوتك يمكن أن تزول في لحظة.

 

ثم ارفع قلبك إلى الله وقل

يا رب، لا تجعل ما أعطيتني يحجبني عنك، ولا تجعل علمي سببًا لغروري، ولا قوتي سببًا لطغياني

علّمني أن أرى نعمك فأشكرك، وأرى ضعفي فألجأ إليك، وأرى عظمة خلقك فأزداد يقينًا بعظمتك.

 

فربما كانت ذبابة صغيرة… كافية لتذكير الإنسان بحقيقة كبيرة: أن العظمة لله وحده.



موضوعات مشابهه