الثلاثاء ١٠ - فبراير - ٢٠٢٦ القاهرة
08:38:06am

الصليبيون في الشرق.. تاريخ مصر مع الحملات الصليبية

الخميس ١٨ - أبريل - ٢٠٢٦

لم تكن الحملتان الصليبيتان، الخامسة والسادسة، من الحملات المهمة، ولم تباليا بالجهاد في سبيل القدس، وإنما ذهب أكثر رجالهما إلى مصر طمعًا في الغنائم فاضطرُّوا إلى التقهقر بعد أن أوغلوا قليلًا فيها

يمكن اعتبار هذه العبارة مدخلا لفهم الحملات الصليبية على مصر وقد وردت في كتاب حضارة العرب للكاتب الشهير جوستاف لوبون

 

ويقول جوستاف لوبون في كتابه: لم يكن تأثير آداب العرب في الصليبيين صفرًا، بل كان كذلك، ضعيفًا جدًّا، أي استوحاها كثيرٌ من شعراء الغرب وكتَّابهم، فكان سَحَرةُ مصر وعجائب الشرق وغودفروا وتانكريد وغيرهما

موضوع قصص مهمٍّ للشعراء المجوِّلين الذين كانوا ينشدونه بين قصر وقصر. ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيمًا جدًّا بفعل الحروب الصليبية

وأن ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب، وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطرادٍ بين الغرب والشرق

وإلى ما نشأ عن تحاكِّ الصليبيين والشرقيين من النُّمُوِّ في الفنون والصناعة — تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا الغرب من التوحش، وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم العرب وآدابهم

التي أخذت جامعات أوربة تُعوِّلُ عليها؛ فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم

 

فى سنة 1213 استأنف البابا إينوسنت الثالث الدعوة إلى حملة صليبية إلى الشرق، وأرسل وعاظ الحرب المقدّسة إلى أنحاء أوروبا الكاثوليكية، ودامت حملة الوعظ زهاء سنتين، وفى روما فى نوفمبر 1215

انعقد مجمع لاتران الرابع، واتخذ سلسلة من القرارات المبدئية التى تتعلق بتنظيم الحملات الصليبية بشكل عام

 

تحددت سنة 1217 موعدًا لبداية الحملة الخامسة، وخطط لها أن تنطق من ميناء برنديسى الإيطالي. فى سبتمبر 1217 اجتمعت فى عكا لكن لفترة لم يحقق الصليبيون أى جديد، فالجفاف فى السنوات السابقة والمجاعة

لعبت دورها كما لعبت الخلافات الداخلية، وتأخرت إنجازات الحملة حتى وصول الفرسان من فريزيا (هولندا) والفرسان الألمان الذين تأخروا فى الطريق لاشتباكهم فى لشبونة فى حرب ضد المسلمين

ولم يصلو إلى عكا إلا فى 26 أبريل 1218، حيث كان اندرياش الثانى قد انسحب بقواته منذ يناير من ذات العام اقتناعا منه بعقم المشروع

 

وقرر الصليبيون الاستيلاء على دمياط، التى كانت بمثابة مفتاح مصر، ووصلت أولى فصائل الصليبيين إليها فى 27 مايو 1218 واستمر حصارها زهاء سنة ونصف، فى ربيع وصيف 1219 (منهم ليوبولد النمساوي)

بسبب الأوبئة وفيضان النيل، ولكن البقية ظلت تحاصر دمياط بعناد، فعانت المدينة الجوع، مما دعى سلطان دمشق للتدخل وعرض السلطان الكامل الذى خلف والده المتوفى حديثًا السلطان العادل فى دمشق

عرض على الصليبيين رفع الحصار عن دمياط مقابل مملكة القدس فى حدود سنة 1187 دون التخلى عن بعض القلاع وعقد صلحًا لمدة 30 سنة

لرفع المعاناة وإنقاذ أهل دمياط فى مصر، ومال أغلبية البارونات قبول هذه الشروط، ولكن تدخل نائب البابا، القاصد الرسولى ورفض هذا الأخير العرض

 

كانت الحملة السادسة (1228- 1229ميلادية) موجهة إلى بيت المقدس، حملة صغيرة لا يتجاوز عدد رجالها الـ600 فارس فقط، والأعجب أنها جاءت استجابة لرغبة السلطان محمد الكامل الأيوبى نفسه

وباتفاق وتفاهم بينه وبين فريدريك الثانى، إمبراطور ألمانيا ومملكة الصقليتين صقلية ونابولى

 

ووفقا لدراسة بعنوان "الحملة الصليبية السادسة (626ــ627هـ /1228 ــ1229م)، للدكتور د. مقاديم عبد الحميد، بجامعة وهران الجزائرية، فكان موقف الإمبراطور الألمانى فردريك الثانى 1215 ـــ 1250م مختلفا

فقد أبدى استعدادا واضحا للاستفادة من هذه الروح السلمية البادية فى موقف السلطان الكامل الأيوبى ويرجع السبب فى ذلك إلى فردريك الثانى نفسه إذ لم يكن صليبيا مثل غيره من ملوك أوروبا الذين قادوا الحملات الصليبية

لقد كان هذا الإمبراطور الذي عرف باسم أعجوبة الدنيا صقليا تربى فى ظل مظاهر الحضارة العربية الاسلامية التي فرضت نفسها فى كل مكان من جزيرة صقلية التى نشأ فى أحضانها

 

عندما وصل الإمبراطور فردريك إلى عكا بعث رسوله إلى الملك الكامل، وأمره أن يقول

له: "الملك يقول لك: كان الجيد والمصلحة للمسلمين أن يبذلوا كل شيء.. ولا أجيء إليهم والآن فقد كنتم بذلتم لنائبي - في زمن حصار دمياط - الساحل كله،

وإطلاق الحقوق بالإسكندرية وما فعلناه وقد فعل الله لكم ما فعل من ظفركم،

 

وإعادتها إليكم، ومن نائبي؟

 

إن هو إلا أقل غلماني، فلا أقل من إعطائي ما كنتم بذلتموه له وحار الملك الكامل في الموقف الذي يجب أن يتخذه من الإمبراطور لأنه هو الذي دعاه إلى الشام، وألح عليه في المجيء إليها ليناصره على أخيه المعظم

واعداً إياه بقسم من أملاك هذا الخصم، فلما وصل إليها لم يعد في حاجة إلى مساعدته لأن المعظم كان قد توفي، وغدت الأملاك الموعودة جزءاً من مملكته وأصبح من واجبه أن يدافع عنها

إن لم يكن بعامل الرغبة فى المحافظة عليها فبعامل الحفاظ على سمعته أمام جماهير المسلمين يصف ابن واصل الموقف

 

فيقول: "تحير الملك الكامل، ولم يمكنه دفعه ولا محاربته، لما تقدم بينهما من الاتفاق"، ومن هنا أراد الكامل أن يطيل أمد المفاوضات بينه وبين فردريك

 

وأثناء ذلك شرع فردريك الثاني في عمارة صيدا وقام بتحصين يافا، وكان ذلك بمثابة مظاهرة عسكرية، جعلت الملك الكامل يخشى قيام فردريك وبقية الجموع الصليبية بالشام بعمل حربي ضده

وهو الشعور الذي فسره المقريزي بقوله: "إن الكامل خاف من عائلته عجزاً عن مقاومته

 

وكان الدخول في حرب ضد الإمبراطور والصليبيين عندئذ تعني بالنسبة للملك الكامل وقوعه بين ثلاثة أعداء هم: (الصليبيين، وابن أخيه الملك الناصر داود من ناحية، والخوارزمية التي استنجد بها الناصر داود من ناحية ثانية)

وفي ضوء هذه الحقائق كلها، وتحت تأثير رسول الملك الكامل في المفاوضات الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ، تنازل عن بيت المقدس

 

يقول المؤرخ البريطاني جون جوليوس نورويش في كتاب الأبيض المتوسط تاريخ بحر ليس كمثله بحر والذى ترجمه طلعت الشايب: كان هناك إجماعٌ على أن تكون مصر هي الهدف مرة أخرى

فهي الإقليم الأغنى والأكثر تعرضًا للهجوم في إمبراطورية صلاح الدين

 

ويضيف: كان القتال طويلًا وضاريًا، وعندما هبط الليل انسحب الجيش المصري على جسر العوَّامات الدائم إلى دمياط ومثلما حدث في 1219، تم تحويل المسجد الجامع إلى كاتدرائية

واستقرت التشكيلات العسكرية الرئيسية الثلاثة (فرسان الهيكل والإسبتارية والفرسان التيوتون) في أماكن إيواء مريحة، كما خصَّص لكلٍّ من أبناء جنوة وبيزا ولأبناء فينيسيا كذلك (وهذا هو الأكثر مدعاةً للاستغراب) شارعًا

وسوقًا وأصبحت دمياط، باختصار، العاصمةَ الفعلية للشرق اللاتيني

 

قامت مارجريت باستدعاء قادتهم إلى جوار فراشها، لتتوسَّل إليهم أن يبقَوا، مشيرةً إلى أنها لن تستطيع الإبقاءَ على دمياط بدونهم، وفي حال سقوطها لن يكون لديها ما يمكن أن تفديَ به زوجها

لم يوافقوا على البقاء إلا بعد أن عرضت شراء كلِّ ما تبقى في المدينة من غذاء، وجعلت نفسها مسئولة عن توزيعه

 

كانت التكلفة باهظة، ولكن دمياط نجت إلى أن تم تدبير الفدية في آخر الأمر تم تسليمها في السادس من مايو 1250، ودفع فرسان الهيكل بقيةَ المبلغ فيما بعدُ على مضض

بعد أسبوع، أقلع لويس ومَن كانوا يستطيعون المشي إلى عكا

 

أما المرضى بشدة والجرحى ومَن لا يستطيعون السفر، فبقُوا في دمياط على وعدٍ بتوفير رعاية جيدة لهم. بمجرد أن غادرت السفن الميناء، تم إعدام الجميع

خلقت الحملة الصليبية السادسة الفاشلة حالةً من الفوران في العالم الإسلامي. كان معظم القوة الإسلامية المحارِبة من المماليك، مجموعة كبيرة من الجند غالبيتهم من الجيورجيين أو الشراكسة الذين تم شراؤهم عبيدًا وهم أطفال

في القوقاز وتم تدريبهم كخيَّالة

 

كانت قوَّتهم ونفوذهم تتزايد باطراد إبَّان حكم السلطان أيوب، وبعد وفاته في نوفمبر 1249 حاول توران شاه أن يحجم قوَّتهم. كانت غلطة فادحة

في الثاني من مايو 1250، كان يقيم مأدبةً لأمرائه، وما إن همَّ بمغادرة المكان حتى اقتحمت القاعةَ مجموعةٌ من المماليك وهجمت عليه

أصيب بجروح بالغة، ولكنه تمكَّن من الفرار وألقى بنفسه في النيل، ولكنَّ قائدًا مملوكيًّا يُدعى بيبرس تبِعه ليجهز عليه، ومعه انتهت الأسرة الأيوبية



موضوعات مشابهه