فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر.. محاولة اغتياله فى المغرب ولبنان وقصة منع أغانيه فى ليبيا
الأحد ٣١ - مارس - ٢٠٢٦
رغم أن بقاءه فى عالمنا لم يستمر سوى 48 عاما، وعمره الفنى لا يتجاوز منها سوى 25 عاما، ورغم أنه رحل عن هذا العالم قبل 47 عاما، ما زالت سيرته تحملها الأجيال جيل خلف الآخر، لم تقدر عليها أو تهزمها صحائف النسيان
لم ولن نستطيع أن ننسى «أعز الناس » العندليب الأسمر الراحل عبدالحليم حافظ، الذى أحيا العالم العربى ذكرى رحيله أمس 30 مارس
نعم.. تحتفل بذكرى يوم رحيله كل دولة أو عاصمة أو مدينة عربية له فيها «صومعة من الحب ولحظات من السعادة والمشاعر القومية »، فلم يكن عبدالحليم حافظ مطربا وفنانا فحسب
بل مشروعا وحلما معبرا ومشاركا وممتزجا مع أحلام وطنه العربى، وكما قال الشاعر العربى السورى نزار قبانى
فإن حليم قاد شعبا بصوته وكان المدفعية الثقيلة التى جمع بها الوطن العربى سياسيا وعاطفيا.. كان عبدالحليم حافظ رمزا قوميا بما أنشده من أغان وطنية حفرت فى ذاكرة وجدان كل العرب
كان صديقا للرؤساء من الزعيم جمال عبدالناصر والرئيس التونسى الحبيب بورقيبة والملك الأردنى حسين بن طلال وملك المغرب الحسن الثانى والرئيس العراقى عبدالسلام عارف
وحتى الرئيس اليمنى عبدالله السلال وكبار الشيوخ والأمراء فى الكويت والسعودية، حليم لم يكن مجرد مطرب، لكنه شخص فوق العادة
وبسبب نفوذه الفنى والجماهيرى حدثت له مواقف صعبة كثيرة، كادت أن تودى بحياته واغتياله فى بعض المرات، ودفعت به إلى الدخول رغما عنه فى أوقات وبإرادته فى أوقات أخرى فى أزمات سياسية كبرى
فى المرة الأولى وأثناء زيارته إلى الجزائر عام 63، للاحتفال باستقلال وثورة الجزائر، وبعد مرور عدة شهور من زيارته، وقعت مشاكل سياسية بين المغرب والجزائر، لدرجة أن نشبت حرب دارت بين البلدين الشقيقين عرفت بحرب الرمال سنة 1963
وقيل للملك الحسن الثانى ملك المغرب أن عبدالحليم حافظ ساند الجزائر وغنى لها، مما جعل أغانى عبدالحليم تمنع من الإذاعة والتليفزيون المغربى مدة طويلة- حوالى 5 سنوات- حتى عام 1968
العمروسى، محامى عبدالحليم حافظ والمكلف بأعماله إلى يوم وفاته، فقد اعترف هو الآخر بأن عبدالوهاب الدوكالى وشى وشاية كاذبة بعبدالحليم حافظ لدى الحسن الثانى
مفادها أنه ساند الجزائر فى حربها ضد المغرب «حرب الرمال 1963
مما جعل أغانى عبدالحليم تمنع مدة طويلة، إلى أن وقع الصلح بين الملك وعبدالحليم سنة 1968 لم تكن تلك الأزمة الأولى لـ «حليم » فى المغرب، رغم العلاقة الخاصة التى ربطته بالملك الحسن الثانى والشعب المغربى،
لدرجة أنه زار المغرب أكثر من عشر مرات، فيذكر طبيبه الخاص الراحل الدكتور هشام عيسى
فى كتابه «حليم وأنا »: فى إحدى زيارات حليم عام 1971 وكان اليوم هو 10 يوليو، حيث توجه حليم إلى دار الإذاعة والتليفزيون بالمملكة المغربية ومعه شحاتة ابن خالته،
أنا، لتسجيل أغنية جديدة هدية للملك، تأليف محمد حمزة، وتلحين بليغ حمدى، مطلعها: «أقبل الحسن علينا... ومن الحسن ارتوينا»، الملك الحسن كان يحتفل بعيد ميلاده الثالث والأربعين، ودعا كوكبة من الفنانين المصريين وبعض الفنانين العرب
كان هناك، محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، وديع الصافى، محمد قنديل، محمد رشدى، محمد العزبى، شادية، هدى سلطان، عفاف راضى
محمد الموجى، بليغ حمدى، منير مراد، الشاعر محمد حمزة، الممثل صلاح ذوالفقار، الكاتب الصحفى محمود عوض، بالإضافة إلى الفرقة الماسية بأكملها بقيادة أحمد فؤاد حسن
واجه عبدالحليم أصعب اختبار فى حياته، بل كادت حياته تكون هى الثمن فى لحظة مجنونة، وبدأ ذهنه يعمل ورفض أن يذيع البيان وفضل مجابهة الخطر- خطر الموت- فى لحظة
وكرر الضابط طلبه لكن حليم رفض بشدة قائلا: «أنا فنان لا أعمل بالسياسة، وأكره أن أنخرط فيها »، ولم تجد التهديدات، فتحولوا إلى الملحن الأعمى الذى حفظ البيان تحت التهديد وسجله
وظل يذاع بصورة متكررة، وبقى «حليم» سجينا فى غرفة الاستوديو حتى المساء، حين اقتحم الإذاعة مجموعة من جنود الملك
وحملوه إلى غرفة آمنة حتى أعادوه إلى الفندق فى عربة مصفحة، وتم إنقاذ حليم بأعجوبة وبتصاريف القدر من الاغتيال والموت المحقق
فن حليم لم يكن بعيدا عن الرسالة السياسية، ورغم الصراعات التى كانت تدور بالإنابة على أرض لبنان، فقد غامر حليم فى مرات كثيرة للدفاع عن العروبة، وعن زعامة مصر فى كل مكان ذهب إليه، خاصة فى لبنان وسوريا
واصل حليم إصراره فى كل مرة يزور فيها دولة عربية على الغناء لعروبته ومصريته وزعيمه، مهما كلفه ذلك من مشاكل وصعوبات ومخاطر، فى سوريا التى زارها عدة مرات منذ عام 58 للاحتفال بالوحدة
أقام حفلتين الأولى فى سينما سوريا بمدينة حلب يوم 22 فبراير، والثانية يوم 24 فبراير، وغنى فيها إحنا الشعب واخترناك من وسط الشعب، وقدمه فى الحفل الفنان عماد حمدى
لكن هذه المرة- كما يرصد المؤخرون للأحداث الفنية فى سوريا- فإن الرحلة أو الزيارة التى قام بها حليم لسوريا فى فبراير عام 1971 كانت رحلة لافتة، ولم يهتم حليم بالظروف والأوضاع السياسية اهتماما كبيرا
وكاد أن يتسبب فى أزمة، فقبل صعوده إلى المسرح صعد قبله المذيع السورى خلدون المالح، وألقى كلمة تحدث فيها عن دولة الوحدة مهاجما الرئيس جمال عبدالناصر
ومشيدا بحزب البعث والرئيس حافظ الأسد، فما كان من حليم إلا أن رد بالإشادة بناصر وإنجازاته وتضحياته من أجل العروبة
بل وطالب الحضور- وكانوا بالآلاف- بالوقوف دقيقة حدادا على روح الزعيم جمال عبدالناصر الذى توفى فى 28 سبتمبر عام 70


