الثلاثاء ٠٤ - أغسطس - ٢٠٢٦ القاهرة
01:07:35am

مكتبة صينية تكرم جامع قمامة بتمثال وتفتح أبوابها للجميع

الثلاثاء ٠٤ - أغسطس - ٢٠٢٦

تشتهر مكتبة هانغتشو، الواقعة فى مقاطعة تشجيانغ شرقى الصين، بلقب المكتبة الأكثر دفئا، بعدما فتحت

أبوابها أمام المتسولون وجامعو القمامة، وخلدت ذكرى أحد روادها بإقامة تمثال له داخل المكتبة تقديرًا

لمسيرته الإنسانية الملهمة

 

وتُعد مكتبة هانغتشو أول مكتبة عامة في الصين تسمح للزوار بالدخول والقراءة مجانًا دون اشتراط

استخراج بطاقة عضوية، وهي السياسة التي تبنتها منذ عام 2008 بهدف تعزيز حق الجميع في

المعرفة والثقافة

 

ووفقًا لما أورده موقع «SCMP»، فقد أثارت هذه السياسة في بدايتها بعض الانتقادات، إذ أعرب أحد رواد

المكتبة عن استيائه من وجود متسولين وجامعي قمامة بين القراء، إلا أن مدير المكتبة آنذاك، تشو شوكينغ

رد بحزم قائلاً: «ليس من حقي أن أمنعهم من الدخول، ولكن من حقك أن تغادر إذا أردت»

 

ومن بين أكثر الشخصيات ارتباطًا بالمكتبة كان الرجل الصيني وى سيهو، الذي عمل في جمع القمامة

لسنوات طويلة، لكنه عُرف في الوقت ذاته بشغفه الكبير بالقراءة، خاصة كتب التاريخ والسياسة، حيث

كان يقضي ساعات طويلة بين أرفف المكتبة متابعًا أحدث الإصدارات والكتب

 

ورغم طبيعة عمله الشاقة، حرص وى دائمًا على التعامل مع الكتب باحترام بالغ، إذ اعتاد غسل يديه

بعناية قبل الإمساك بأي كتاب. وتروي إحدى أمينات المكتبة تلك العادة قائلة

«على الرغم من أن يديه كانتا تحملان آثار العمل الشاق، فإنهما كانتا نظيفتين بشكل لافت كلما أمسك كتابًا»

 

وكشفت سيرته الذاتية أن وى كان من بين قلة من الطلاب الجامعيين في خمسينيات وستينيات

القرن الماضي، قبل أن يعمل مدرسًا بإحدى المدارس الثانوية

 

وبعد تقاعده عام 1999، كان يتقاضى معاشًا شهريًا يبلغ نحو 5600 يوان صيني، أي ما يعادل

نحو 820 دولارًا أمريكيًا، إلا أنه اختار الاستمرار في جمع القمامة من الشوارع بإرادته

 

وأوضح أحد طلابه السابقين، الذي أصبح لاحقًا مدرسًا في المدرسة نفسها، أن زملاءه وأصدقاءه حاولوا

مرارًا إقناعه بالتوقف عن هذا العمل، لكنه ظل متمسكًا بخياره، مفضلًا أسلوب حياته البسيط والمتواضع

 

وفي عام 2015، توفي وى سيهو إثر تعرضه لحادث سير عن عمر ناهز 77 عامًا، لتتكشف بعد رحيله

تفاصيل إنسانية مؤثرة لم تكن معروفة حتى لأفراد أسرته

 

وخلال ترتيب متعلقاته الشخصية، اكتشفت بناته الثلاث أنه ظل على مدار أكثر من عشرين عامًا يتبرع

بجزء كبير من دخله لمساعدة الطلاب الفقراء، دون أن يخبر أحدًا بذلك

 

وكانت شقته المتواضعة، التي لم تتجاوز مساحتها 80 مترًا مربعًا، تضم سريرًا بسيطًا وخزانة مكتظة

بالكتب وعددًا محدودًا من الزجاجات البلاستيكية التي كان يجمعها لإعادة التدوير، فيما احتفظ

بعشرات شهادات التبرع ورسائل الشكر التي تلقاها من الطلاب الذين ساعدهم، وقد اصفرّ الكثير

منها أن تبقى أعماله الخيرية بعيدة عن الأضواء

 

كما أوصى قبل أكثر من عشر سنوات من وفاته بالتبرع بجسده للأغراض الطبية والعلمية، وطلب أن

يتم نثر رماده في بحيرة «ويست ليك» الشهيرة، في تعبير جديد عن فلسفته القائمة على

العطاء وخدمة الآخرين

 

وأثارت قصة وى تعاطفًا واسعًا في المجتمع الصيني، ما دفع مجموعة من المواطنين إلى إطلاق حملة

تمويل جماعي لتخليد ذكراه. وخلال أقل من ساعة واحدة، شارك 1178 شخصًا في الحملة، وتمكنوا

من جمع 50 ألف يوان، أي ما يعادل نحو 7400 دولار أمريكي، لإقامة تمثال يحمل اسمه

 

وصمم الفنان الصيني تشو بينغرين تمثالًا نحاسيًا بارتفاع 160 سنتيمترًا، يجسد وى وهو يقرأ صحيفة

وإلى جواره عصا من الخيزران وعدد من الزجاجات البلاستيكية، في إشارة إلى حياته البسيطة

وشغفه بالمعرفة

 

وفي عام 2018، أُزيح الستار عن التمثال داخل مكتبة هانغتشو، ليظل شاهدًا على قصة رجل جمع

بين التواضع والعلم والعطاء الإنساني

 

وقال أحد المعلقين خلال مراسم تدشين التمثال: «بالمعنى الحرفي لم يكن وى مجرد جامع قمامة

بل أصبح جامعًا للقيم الإنسانية في عالمنا الروحي»، فيما أكد آخر أن «لكل إنسان الحق في المعرفة

بغض النظر عن مهنته أو وضعه الاجتماعي»، وهو المبدأ الذي جسدته مكتبة هانغتشو وجسدته معها قصة

وى سيهو التي ما زالت تلهم الآلاف حتى اليوم



موضوعات مشابهه