أطفال يعبرون فوق ماسورة للوصول إلى المدرسة.. التعليم مسؤولية لا تحتمل المجازفة
الجمعة ٠٢ - أكتوبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي
الكاتب والمفكر والخبير التربوي
هل أصبح الوصول إلى المدرسة رحلة مخاطرة؟
هناك مشاهد لا ينبغي أن نعتاد عليها، وصور لا يجوز أن تمر أمام أعيننا ثم تختفي مع الخبر التالي.
من بين هذه المشاهد، صورة أطفال يحملون حقائبهم وكتبهم، ويضطرون إلى عبور ماسورة ممتدة فوق
مصرف للوصول إلى معهدهم في عزبة مطاوع عيسى بمركز دمنهور.
نحن أمام واقعة تمس أكثر من 300 تلميذ، بينما يضم المعهد أكثر من 600 طالب، بحسب ما نشرته
تقارير صحفية عن الواقعة.
وهنا لا أريد أن أسأل فقط: لماذا عبر هؤلاء الأطفال الماسورة؟
بل أريد أن أسأل السؤال الأصعب
كيف وصل الأمر إلى أن يصبح عبور الأطفال فوق ماسورة طريقًا يوميًا للوصول إلى التعليم؟
نحن لا نتحدث عن رفاهية.. نحن نتحدث عن أطفال
لا نتحدث عن مدرسة تحتاج إلى طلاء جديد... ولا عن فصل يحتاج إلى أجهزة حديثة.
ولا عن منهج يحتاج إلى تطوير... نحن نتحدث عن سلامة طفل.
طفل يخرج من منزله حاملاً حقيبته، مؤمنًا أن ذهابه إلى المدرسة هو طريقه إلى المستقبل، فإذا به
يواجه خطرًا حقيقيًا قبل أن يصل إلى بابها.
أي رسالة يمكن أن تصل إلى هذا الطفل؟
هل نقول له إن التعليم حق؟
أم نقول له، دون أن نقصد، إن الوصول إلى هذا الحق قد يكون محفوفًا بالمخاطر؟
لا يمكن أن نقبل أن تصبح البنية الأساسية عائقًا أمام حق الطفل في التعليم، ولا أن تتحول رحلة الذهاب
إلى المدرسة إلى اختبار يومي للنجاة.
التحرك بعد انتشار الواقعة خطوة مهمة.. لكنه ليس الحل الكامل
من المهم الإشارة إلى أن التحرك تم بعد انتشار القضية؛ حيث صدرت توجيهات بإغلاق الماسورة، وتوفير
وسيلة نقل مجانية للتلاميذ، والعمل على توفير وسيلة بديلة وتسريع صيانة الكوبري.
وهذا تحرك مطلوب لحماية الأطفال فورًا... لكن القضية أكبر من واقعة محددة.
والسؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا هو:لماذا احتجنا إلى انتشار الصور حتى يتحرك الجميع؟
أين كانت منظومة المتابعة قبل أن تصل الأمور إلى هذا المشهد؟
ومن كان يعلم بالمشكلة؟
ومتى بدأت؟
وهل تم الإبلاغ عنها؟
ومن المسؤول عن متابعة سلامة الطريق الذي يسلكه هؤلاء الأطفال يوميًا؟
والأهم:كم مدرسة أخرى في قرى ونجوع مصر يواجه طلابها مخاطر مشابهة، ولا نعرف عنها شيئًا؟
لا نبحث عن كبش فداء.. بل عن الحقيقة والمحاسبة.. أنا لا أطالب بمحاكمة أحد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا أطالب بإدانة مسؤول بعينه قبل انتهاء التحقيق.
لكنني أطالب بشيء واضح وبسيط:تحقيق إداري عاجل، شفاف، يحدد المسؤوليات بوضوح.
نريد أن نعرف أين حدث الخلل؟
ومن كان مسؤولًا عن المتابعة؟
وهل كان هناك تقصير أو إهمال؟
وإذا أثبت التحقيق وجود تقصير جسيم، فيجب أن تكون هناك محاسبة حقيقية تتناسب مع
حجم المسؤولية، دون النظر إلى منصب المسؤول أو موقعه.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا تقع فيها الأخطاء.
بل الدولة التي تكتشف الخطأ، وتواجهه، وتحاسب على التقصير، وتمنع تكراره.
وزير التربية والتعليم.. المسؤولية أكبر من المناهج والامتحانات.
وهنا أقولها بوضوح
مسؤولية وزارة التربية والتعليم لا تتوقف عند المناهج والامتحانات والحضور والغياب.
التعليم يبدأ قبل أن يدخل الطالب الفصل... فالطريق إلى المدرسة جزء من منظومة التعليم.
وسلامة الطالب أثناء ذهابه وعودته ليست قضية هامشية، بل مسؤولية يجب أن تكون حاضرة في
منظومة التخطيط والمتابعة.
نحن نريد مدارس ذكية... نريد مناهج حديثة.
نريد تعليمًا يعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي... نريد أن نُعد أبناءنا لوظائف المستقبل.
لكن قبل كل ذلك، هناك سؤال أكثر بساطة وأشد أهمية:هل يصل الطفل إلى المدرسة سالمًا؟
من دمنهور يجب أن تبدأ مراجعة شاملة
لا ينبغي أن تنتهي هذه الواقعة بمجرد إزالة الماسورة أو توفير وسيلة نقل مؤقتة.
بل يجب أن تتحول إلى جرس إنذار وطني.
نحتاج إلى حصر شامل للمدارس التي يواجه طلابها مخاطر في الوصول إليها، سواء بسبب مصرف
أو كوبري متهالك، أو طريق غير آمن، أو غياب وسائل النقل، أو أي خطر آخر يمكن أن يهدد حياة الأطفال.
ونحتاج إلى قاعدة بيانات واضحة، وخطة زمنية معلنة، ومسؤول محدد عن متابعة كل حالة حتى إزالة الخطر.
الوقاية دائمًا أرخص من الندم، وحماية طفل واحد من الخطر أهم من انتظار كارثة حتى نتحرك.
رسالتي إلى الدولة: احموا الطريق إلى المستقبل
أبناؤنا ليسوا مجرد أرقام في كشوف الحضور.
هم مستقبل مصر.
كل طفل يحمل حقيبته صباحًا هو مشروع إنسان يمكن أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو عالمًا
أو قائدًا أو صاحب فكرة تغير حياة الآخرين.
فكيف نطلب منه أن يبني المستقبل، بينما نعجز عن تأمين الطريق الذي يسلكه إليه؟
نحن لا نريد تعليمًا حديثًا داخل أسوار المدرسة فقط.
نريد منظومة تعليم تحمي الإنسان قبل أن تعلّمه.
ولهذا أطالب بوضوح بـ
* فتح تحقيق عاجل وشفاف في واقعة تلاميذ دمنهور وتحديد المسؤوليات.
* حصر وطني شامل للمدارس التي يواجه طلابها مخاطر أثناء الذهاب والعودة.
* وضع خطة زمنية معلنة لإزالة هذه المخاطر.
* محاسبة كل من يثبت تقصيره وفق القانون، دون استثناء.
* إنشاء آلية سريعة وفعالة لبلاغات أولياء الأمور بشأن مخاطر الوصول إلى المدارس.
* عدم انتظار وقوع حادث أو كارثة للتحرك، بل اعتماد منهج الوقاية والاستباق.
كلمة أخيرة
ربما يمر هذا المشهد أمام البعض باعتباره خبرًا محليًا من إحدى قرى دمنهور.
أما أنا فأراه سؤالًا كبيرًا عن مستقبل التعليم في مصر.
لأن القضية ليست ماسورة فوق مصرف فقط.
القضية هي: هل نضع سلامة أطفالنا في مقدمة أولوياتنا؟
إنقاذ طفل من خطر محتمل ليس إنجازًا استثنائيًا.
إنه أبسط واجباتنا تجاهه.
والتعليم الحقيقي لا يبدأ عندما يدخل الطالب بوابة المدرسة…التعليم يبدأ منذ اللحظة التي يخرج
فيها الطفل من بيته.
ومن حق كل أب وأم أن يطمئنا:ابني خرج إلى المدرسة.. وسيعود منها سالمًا.
هذه ليست رفاهية... هذه مسؤولية دولة، وحق طفل، وواجب مجتمع.


