السبت ٠٥ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
09:56:51am

التعليم بين مافيا الاستبعاد ومحاوله الاسترداد

الجمعة ٠٤ - سبتمبر - ٢٠٢٦

منذ ثورة يناير عام 2011، أدركت الدولة المصرية أنها أمام تحديات كبيرة تتطلب استعادة مكانتها وتعزيز

مؤسساتها، ومع ثورة 30 يونيو، دخلت مصر مرحلة جديدة من العمل على مواجهة العديد من الملفات

وكان تطوير منظومة التعليم أحد أبرز هذه التحديات

 

فمع التطور المتسارع الذي يشهده العالم، أصبحت عملية تطوير التعليم ضرورة لا غنى عنها، بعدما أدركت

الدولة أن تحقيق أي تقدم حقيقي في مختلف المجالات يبدأ من بناء منظومة تعليمية قادرة على مواكبة

العصر وإعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للمستقبل

 

ومن هنا بدأت جهود تطوير التعليم، وهي جهود أثارت ولا تزال تثير جدلًا واسعًا بين مؤيد يرى فيها

ضرورة لمواكبة التطورات العالمية، ومعارض لديه تحفظات على بعض جوانبها. لكن وسط هذا الجدل

يظل هناك شبح قديم يهدد منظومة التعليم المصرية، وهو الدروس الخصوصية

 

من قصور الباشوات إلى السناتر التعليمية

وبالعودة إلى تاريخ الدروس الخصوصية في مصر، نجد أن الظاهرة تعود إلى فترات قديمة، حيث كانت

عملية التعليم خارج المدرسة تقتصر في البداية على طبقات محدودة من المجتمع، إذ كان بعض

الباشوات يستدعون المدرسين إلى قصورهم لتعليم أبنائهم، فكانت الدروس الخاصة آنذاك

امتيازًا مرتبطًا بالطبقة الغنية

 

ومع قيام ثورة 1952، شهد قطاع التعليم اهتمامًا أكبر من جانب الدولة، وانخفضت أعداد الطلاب داخل

الفصول مقارنة بما شهدته مراحل لاحقة، كما كانت أجور المعلمين أكثر ملاءمة لتوفير حياة كريمة لهم

وهو ما ساهم في تراجع الحاجة إلى الدروس الخاصة، التي ظلت موجودة في نطاق محدود

 

ومع بداية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدأت الظاهرة في العودة بصورة أكبر، بالتزامن مع

الزيادة السكانية وارتفاع أعداد الطلاب داخل الفصول، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي واجهها

المعلمون، لتتحول الدروس الخصوصية تدريجيًا إلى ظاهرة واسعة الانتشار

 

ومع التطور التكنولوجي وتغير شكل العملية التعليمية، ظهرت السناتر التعليمية التي أصبحت خلال

السنوات الأخيرة جزءًا أساسيًا من المشهد التعليمي، وأصبح عدد كبير من الطلاب يعتمد

عليها بصورة شبه كاملة

 

الدروس الخصوصية.. عبء اقتصادي على الأسرة المصرية

أما اليوم، فقد تحولت الدروس الخصوصية والسناتر التعليمية إلى عبء اقتصادي كبير على كثير من

الأسر المصرية، في ظل ارتفاع تكلفة الحصة، التي قد تصل في بعض الحالات إلى مئات الجنيهات

وهو ما يفرض أعباء إضافية على ميزانية الأسرة

 

ولا تتوقف المشكلة عند التكلفة المالية، وإنما تمتد إلى طبيعة ما يحصل عليه الطالب داخل بعض هذه

المراكز، إذ تحولت بعض الدروس إلى وسيلة لجذب الطلاب من خلال أساليب تعتمد على الترفيه

والاستعراض أكثر من التركيز على المحتوى التعليمي

 

وفي بعض الحالات، تتحول أجزاء من الحصة إلى تصوير مقاطع فيديو مخصصة لمواقع التواصل

الاجتماعي، بهدف تحقيق الانتشار وجذب المزيد من الطلاب، بدلًا من استثمار وقت الحصة

بالكامل في الشرح والتعليم، وهو ملف يستحق مناقشة مستقلة سنتطرق إليه بالتفصيل في مقالات مقبلة

 

هل يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة؟

وهنا يأتي دور القلم في طرح أفكار قد تبدو خارج الصندوق، لكنها تستحق الدراسة والنقاش

 

تخيل معي، عزيزي القارئ، أن يتم ترخيص المراكز التعليمية ووضع ضوابط واضحة لعملها، مع تحديد

إطار منظم للأسعار، بما يضمن تقديم خدمة تعليمية حقيقية، وفي الوقت نفسه

يخفف العبء عن كاهل أولياء الأمور

 

فبدلًا من إنفاق الأسرة آلاف الجنيهات شهريًا على الدروس الخصوصية، يمكن أن يؤدي تنظيم هذه

المراكز وتحديد أسعار عادلة إلى خفض التكلفة بصورة كبيرة، مع ضمان جودة الخدمة

التعليمية والرقابة عليها

 

كما أن تقنين أوضاع المراكز التعليمية قد يفتح بابًا أمام الدولة لتحصيل ضرائب ورسوم من

هذا النشاط، بما يوفر موارد مالية إضافية يمكن توجيهها إلى تطوير المدارس وتحسين

العملية التعليمية ورفع كفاءة المعلمين

 

تطوير التعليم ضرورة.. ومواجهة الدروس الخصوصية مسؤولية مشتركة

في النهاية، يظل تطوير التعليم في مصر ضرورة حتمية للنهوض بالمجتمع وبناء مستقبل أفضل

للأجيال القادمة، لكن نجاح أي عملية تطوير لن يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما يحتاج إلى معالجة

المشكلات التي أصبحت جزءًا من الواقع التعليمي، وفي مقدمتها ظاهرة الدروس الخصوصية

 

والحل لا يكمن فقط في مواجهة الظاهرة، وإنما في البحث عن أسبابها ووضع بدائل عملية تضمن

حصول الطالب على تعليم جيد داخل المدرسة، وتعيد للمعلم مكانته، وتخفف في الوقت نفسه

الأعباء الاقتصادية عن الأسرة المصرية

 

وفي مقالات قادمة، سوف نتناول بمزيد من التفصيل أبرز مشكلات التعليم في مصر، ونطرح

مجموعة من الأفكار والحلول التي قد تسهم في الوصول إلى منظومة تعليمية أكثر كفاءة

وعدالة، بما يتناسب مع طموحات الدولة المصرية وتحديات المستقبل



موضوعات مشابهه