الأربعاء ١٦ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
12:15:54pm

الصلاة لا تعطل الفن.. ولكن بعض الأفكار تحتاج إلى مراجعة

الأربعاء ١٦ - سبتمبر - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور. فريد شوقي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي

 

عندما تتحول الصلاة ــ وهي واحدة من أعظم شعائر الإسلام ــ إلى «وقت ضائع» في حسابات بعض

العاملين في الوسط الفني، فالأمر لا يعود مجرد اختلاف في وجهات النظر حول جدول التصوير، وإنما

يصبح سؤالًا أكبر: كيف ننظر إلى الوقت؟

وما الذي نعتبره أولوية في حياتنا؟

 

الفنانة إلهام شاهين تحدثت في تصريحات متداولة عن موقف مخرج كان يوقف التصوير عند الأذان

ويذهب للصلاة، وقالت إنها ترى أن الأولوية للعمل، وأن التصوير لا ينبغي أن يتوقف من أجل الصلاة.

وقد أكدت لاحقًا أن هذا هو رأيها، موضحة أنها كانت تتحدث عن تعطيل العمل وليس عن رفض الصلاة ذاتها.

 

وهنا أقول بكل احترام

يا أستاذة إلهام.. المشكلة ليست في الخمس أو العشر دقائق التي يقضيها الإنسان في الصلاة، وإنما في

الطريقة التي ننظر بها إلى هذه الدقائق.

 

هل من المنطقي أن نقول إن الصلاة هي التي تضيع وقت التصوير، بينما يمكن أن تضيع ساعات طويلة في

الانتظار، وإعادة المشاهد، والمكياج، والإضاءة، والاستعداد، وأخطاء التصوير؟

 

إذا كان هناك تنظيم للعمل، فمن الطبيعي أن يُراعى وقت الصلاة ضمن جدول التصوير، كما تُراعى

أوقات الطعام والراحة وتغيير الديكور وتجهيز المشاهد.

 

الصلاة ليست خصمًا من عمر العمل، ولا عدوًا للإنتاج، ولا عائقًا أمام النجاح.

والأغرب أن الإنسان قد يقضي ساعات من عمره في أشياء لا تضيف إلى حياته شيئًا، ثم يشعر أن

دقائق الصلاة هي التي تمثل أزمة الوقت!

 

أنا لا أكتب هذا دفاعًا عن شخص بعينه، ولا هجومًا على فنانة بعينها، وإنما دفاعًا عن قيمة دينية

ومجتمعية أرى أنه يجب أن نتعامل معها باحترام.

وقد يكون من حق أي إنسان أن يختلف في كيفية تنظيم العمل، لكن ليس من الحكمة أن يتحول

الاختلاف حول تنظيم وقت التصوير إلى انتقاص من قيمة الصلاة أو تصويرها وكأنها مشكلة تعطل الحياة.

 

والإنصاف يقتضي أيضًا ألا نحمل تصريحات إلهام شاهين أكثر مما تحتمل؛ فهي نفسها أوضحت في

تصريحات لاحقة أن حديثها كان عن توقف العمل، وأنها لا تعترض على الصلاة في ذاتها.

لكن في المقابل، من حق المجتمع أن يناقش الرسالة التي تصل إلى الناس من كلام الشخصيات العامة.

 

فالفنان ليس مجرد شخص يعمل أمام الكاميرا؛ هو شخصية مؤثرة، وكلماته تصل إلى ملايين الناس

 ولذلك فإن الحديث عن الدين والصلاة يحتاج إلى قدر كبير من الحساسية والمسؤولية.

 

وأنا هنا أتساءل

هل أصبح النجاح في العمل يتطلب أن نؤجل كل شيء من أجله، حتى العبادات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه ليست مشكلة صلاة، وإنما مشكلة في ترتيب الأولويات.

فالعمل مهم، والالتزام بالمواعيد مهم، والإنتاج مهم، لكن الإنسان في النهاية ليس آلة إنتاج.

نحن نعمل لكي نعيش، ولا ينبغي أن ننسى لماذا نعيش.

والصلاة لا تحتاج إلى تبرير من أحد.

 

هي علاقة بين الإنسان وربه، ومن أراد أن يؤديها فليؤدها، ومن حقه أن يجد في مكان عمله مساحة

تحفظ له حقه في العبادة، ما دام ذلك يتم دون إضرار متعمد بالعمل أو حقوق الآخرين.

أما أن نصور الصلاة باعتبارها «تعطيلًا» أو «وقتًا ضائعًا»، فهنا أختلف تمامًا.

 

وأقول لإلهام شاهين

ربما تحتاجين إلى النظر إلى المسألة من زاوية أخرى.

بدل أن نسأل: كم دقيقة أخذتها الصلاة من التصوير؟

 

فلنسأل: كم قيمة تلك الدقائق في حياة الإنسان؟

فقد تكون عشر دقائق في الصلاة أثمن عند إنسان من ساعات طويلة أمام الكاميرا.

وقد ينجح الإنسان في فيلم، أو مسلسل، أو مشروع، ثم يكتشف بعد سنوات أن أعظم ما فعله في حياته

لم يكن مشهدًا ولا جائزة ولا شهرة، وإنما لحظة وقف فيها بين يدي الله.

 

وأخيرًا، أنا لا أرى أن الاختلاف مع إلهام شاهين يستوجب الإساءة إليها أو الحكم على شخصيتها أو صحتها

النفسية؛ فهذا أمر لا يملكه إلا المختصون، ولا يجوز تحويل الخلاف الفكري إلى تشخيص طبي.

لكنني أرى أن بعض الأفكار تستحق المراجعة، وبعض الكلمات تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا قبل أن

نطلقها على الناس.

 

فالفن يمر...والتصوير ينتهي...والمشهد يُحذف أو يُنسى...لكن الصلاة تظل صلاة، والوقت الذي يمر

من عمر الإنسان لا يعود.

 

 



موضوعات مشابهه