الغضب عند الأطفال: عاصفة صغيرة تكشف مشاعر كبيرة
الثلاثاء ٠٩ - ديسمبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتورة داليا خليل اخصائي نفسي دكتوراه صحة نفسية وعلاج الإدمان
الغضب عند الأطفال ليس مجرد صوت عالٍ أو دموع تتساقط أو أشياء تُلقى على الأرض، بل هو رسالة عميقة يرسلها الطفل عندما تعجز كلماته الصغيرة عن شرح ما يشعر به. ورغم أن الغضب يبدو سلوكًا مزعجًا، إلا أنه في الحقيقة بوابة لفهم عالم الطفل الداخلي، وعلامة تقول: “أنا محتاج حد يفهمني”.
ومن هنا اقدر اقول
سنقترب من الغضب عند الأطفال بشكل بسيط، ونكشف أسبابه الخفية، وكيف يمكن للوالدين تحويل هذه اللحظات الصعبة إلى فرص للتعلم والاحتواء.
: ماذا يعني الغضب عند الطفل؟
الغضب أحد المشاعر الطبيعية التي يمر بها كل إنسان، لكن عند الطفل يكون ظاهرًا أكثر لأن قدرته على التعبير محدودة. الطفل لا يعرف أن يقول: “أنا متوتر… أنا مضغوط… أنا أشعر بالظلم”، فيختار الشكل الذي يعرفه: الصراخ، البكاء، الرفض، أو العناد.
الغضب عند الطفل هو محاولة لقول شيء أكبر من سنه، ومحاولة للدفاع عن نفسه في عالم لا يزال يتعلم قوانينه.
: أسباب الغضب عند الأطفال
1. عجز الطفل عن التعبير بالكلام
كثير من الأطفال يشعرون بالغضب لمجرد أنهم لا يجدون الكلمات المناسبة للتعبير عن طلباتهم أو مشاعرهم، فيتحول الارتباك إلى انفجار.
2. الشعور بعدم الفهم أو التجاهل
عندما يكرر الطفل طلبه ولا يجد استجابة، يبدأ الغضب كنوع من محاولة لفت الانتباه.
3. الإجهاد الزائد وقلة النوم
الطفل المرهق يكون أسرع غضبًا من الطفل المرتاح. النوم غير المنتظم يجعل الجهاز العصبي حساسًا لأبسط المواقف.
4. الغيرة والمقارنة
الغيرة بين الإخوة أو المقارنة المتكررة تزيد شعور الطفل بأنه أقل قيمة، فيتحول هذا الشعور إلى نوبات غضب.
5. التغيرات المفاجئة
الانتقال من مكان لآخر، تغيير المدرسة، قدوم مولود جديد، أو فقدان شيء يحبه… كل هذه تجارب كبيرة على قلب صغير.
6. محاولة السيطرة على الأشياء
عمر الطفل بطبيعته مرحلة بحث عن الاستقلال: “أنا عايز أعمل ده بنفسي”. وعندما يعجز عن ذلك أو يُمنع، يظهر الغضب.
7. تقليد ما يراه
الطفل مرآة البيت. إذا شاهد صراخًا، أو توترًا، أو أسلوبًا عنيفًا في حل المشكلات، فغالبًا سيستخدم نفس الأسلوب.
: كيف نفهم غضب الطفل قبل أن نعالجه؟
قبل أن نُطفئ الغضب، يجب أن نفهم النار التي تشعله. أسهل طريقة هي النظر إلى نوبة الغضب كـ"سؤال":
ماذا يحاول طفلي أن يقول؟
هل هو جائع؟ مرهق؟ يشعر بأنه غير مسموع؟ مجروح؟ خائف؟
عندما نبدأ بهذا المنطق، نتحول من “معاقِب” إلى “مسانِد”.
: طرق علاج الغضب عند الأطفال
1. احتواء المشاعر وليس السلوك
قولي له بهدوء:
“أنا فاهمة إنك زعلان… عادي تزعل، بس مش هنكسر حاجة”.
بهذه الطريقة تعترفين بمشاعره لكن تضعين حدودًا للسلوك.
2. إتاحة مساحة آمنة للتعبير
بعض الأطفال يحتاج زاوية هادئة بها ألوان أو لعبة يضغط عليها ليتخلص من توتره.
3. تعليم الطفل الكلمات التي تساعده
مثل:
“أنا متضايق… أنا خايف… أنا محتاج مساعدة”.
كلما زادت مفرداته، قلت نوبات الغضب.
4. تهيئة الروتين اليومي
الغذاء الجيد، النوم المبكر، وفترات اللعب الحر تقلل 50% من الغضب دون أي مجهود إضافي.
5. عدم استخدام الصراخ لعلاج الصراخ
إذا صرخ الأب أو الأم على الطفل أثناء غضبه، يتحول الموقف لمعركة، وليس لحظة تربية.
الهدوء ينتقل… والغضب ينتقل. اختاري ما تريدين أن يراه طفلك.
6. تعليم مهارات التفاوض
اسأليه:
“إيه الحل اللي تحب نعمله؟”
أو
“طب نقدر نتفق إزاي؟”
هذه الأسئلة تزيد شعوره بالتحكم وتقلل غضبه.
7. الثبات في التعامل
إذا كان المسموح اليوم ممنوع غدًا، سيغضب الطفل لأنه لا يفهم القاعدة. الثبات يخفف 80% من التوتر.
8. قراءة القصص العلاجية
حكايات عن طفل يغضب ثم يتعلم التحكم تساعده على فهم مشاعره من بعيد وبأسلوب آمن.
: متى يصبح الغضب مشكلة تستحق استشارة متخصص؟
إذا كان الطفل يؤذي نفسه أو الآخرين.
إذا كان الغضب متكررًا بشكل يومي وعلى مواقف صغيرة جدًا.
إذا لاحظتِ تأخرًا في الكلام مصحوبًا بنوبات غضب مستمرة.
إذا كان الغضب مرتبطًا بخوف شديد أو صدمات.
وفي النهاية احب اقول:
الغضب ليس عيبًا… بل رسالة
الغضب عند الأطفال ليس مشكلة تحتاج للقمع، بل شعور يحتاج للتوجيه.
الطفل الذي نتعامل مع غضبه بحكمة يصبح فيما بعد شابًا قادرًا على ضبط انفعالاته وفهم نفسه واحترام الآخرين.
عندما نرى الغضب بعين الفهم، يتحول من “مشكلة” إلى “فرصة” لتربية طفل أقوى، أذكى، وأكثر توازنًا.


