حين تعجز الحجة يبدأ السب
الثلاثاء ٠١ - سبتمبر - ٢٠٢٦
كتبه: المحامي عاطف لبيب النجمي
القذف والسب، سواء صدرا عن شخص عادي، أو شخصية عامة، أو مسؤول سياسي أو تنفيذي، أو حتى
من معارض، لا يمكن النظر إليهما دائمًا باعتبارهما مجرد انفعال عابر؛ ففي كثير من الأحيان يكشفان
عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة التفكير وإدارة الخلاف
فالإنسان الذي يمتلك المعلومات ويثق في قوة حجته لا يحتاج غالبًا إلى إهانة خصمه حتى يقنع الآخرين
برأيه، ولا يرد على السب بسب مقابل، لأنه يستطيع أن يناقش الفكرة بالفكرة، والدليل بالدليل، والواقعة بالواقعة
أما حين تتحول المناقشة إلى سب وقذف وتجريح شخصي، فإن الحوار يكون قد غادر ميدان الأفكار
إلى ميدان العجز عن مواجهة الأفكار
فقر المعلومات يولد فقر الحجة
من أهم أسباب اللجوء إلى السب ضعف المعرفة بالموضوع محل النقاش. فكلما كان الإنسان أكثر إحاطة
بالوقائع والقوانين والتاريخ والسياق العام، ازدادت قدرته على بناء حجة متماسكة
أما من لا يملك المعلومات الكافية، فقد يجد نفسه أمام خصم يطرح أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها
أو يقدم وقائع لا يعرفها، أو أدلة يصعب تفنيدها
هنا قد يكون الطريق الأسهل هو الهروب من النقاش إلى الشخصنة؛ فبدلًا من الرد على الفكرة، يهاجم
صاحبها، وبدلًا من تفنيد الدليل، يشكك في صاحبه، وبدلًا من الإجابة عن السؤال، يوجه إهانة إلى من طرحه
وهذه ليست إجابة، وإنما محاولة لإنهاء الحوار دون الانتصار فيه
فقدان الثقة في القدرة على الإقناع
هناك سبب آخر أكثر عمقًا، وهو فقدان الثقة في القدرة على إدارة الحوار
فالذي يثق في قدرته على الإقناع لا يخشى السؤال، ولا يخشى الاختلاف، ولا يحتاج إلى إسكات
مخالفه، بل قد يعتبر السؤال فرصة لإظهار قوة موقفه
أما من يشعر بأن حجته ضعيفة، فقد يرى في استمرار النقاش خطرًا عليه، لأن كل سؤال جديد
قد يكشف جانبًا آخر من الضعف
ومن هنا قد يتحول السب إلى وسيلة دفاع نفسي قبل أن يكون اعتداء على الطرف الآخر
إنها لحظة يقول فيها السلوك، بصورة غير مباشرة: "لا أستطيع أن أقنعك، ولذلك سأحاول أن أسقطك"
لكن إسقاط الشخص لا يعني إسقاط حجته
المسؤول ليس فوق النقد
تزداد خطورة الأمر عندما يصدر السب أو القذف عن شخصية عامة أو مسؤول سياسي أو تنفيذي
فالمسؤول يمتلك أدوات وسلطة ومكانة عامة، ولذلك يفترض أن يكون أكثر التزامًا بالهدوء لإسكات
النقد، فلا يقوي صورة المسؤول، بل قد يضعفها، لأن الناس قد تتساءل
إذا كانت الإجابة متوافرة، فلماذا لم تقدم؟
والمعارض أيضا ليس معفى
والامر نفسه ينطبق على المعارض؛ فالمعارضة ليست ترخيصا للسب، كما ان السلطه ليست ترخيصا
لقمع المخاوف او اهانته
فالمعارض القوى هو الذى يستطيع أن يقول: هذا القرار خاطئ، وهذه أسبابه، وهذه أرقامه
وهذا البديل الذي أقترحه
أما أن تتحول المعارضة إلى شتائم واتهامات شخصية، فإنها تفقد جزءًا من قيمتها السياسية؛ لأن الناس
لا تحتاج إلى شخص غاضب بقدر حاجتها إلى شخص يمتلك رؤية وبدائل وحججًا
فالمعارضة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرة صاحبها على تقديم البديل
النقد شيء والسب شيء آخر
من المهم ألا نخلط بين النقد والسب
فالنقد حق، والاختلاف حق، ومحاسبة المسؤول حق، وكشف الأخطاء حق، بل إن المجتمع الذي
لا يستطيع أفراده انتقاد المسؤولين والأفكار هو مجتمع يفقد إحدى أهم أدوات تصحيح مساره
لكن النقد يوجه إلى الفعل أو القرار أو الفكرة، بينما السب يوجه إلى الشخص ذاته
يمكن أن تقول: "هذا القرار خاطئ، وأرى أنه أضر بالمصلحة العامة، وهذه أسبابي"
أما تحويل العبارة إلى إهانة شخصية، فلا يضيف شيئًا إلى قوة النقد، بل على العكس قد
يجعل القضية الأصلية تختفي خلف المعركة الشخصية
وفي النهاية، تبقى الحجة القوية هي التي تفرض نفسها، أما السب فلا يهزم رأيًا، ولا يبطل
دليلًا، ولا يثبت حقًا، بل يكشف في كثير من الأحيان عن عجز عن مواجهة الحجة بالحجة


