تحليل دم بدل الخزعة التقليدية.. هل تكشف الخزعة السائلة احتمالات عودة السرطان
الثلاثاء ٠١ - سبتمبر - ٢٠٢٦
في الوقت الذي تعتمد فيه متابعة مرضى السرطان على الفحوص الإكلينيكية والأشعة، وأحيانًا أخذ عينات
من الأنسجة، تبرز «الخزعة السائلة» (Liquid Biopsy) كأحد الاتجاهات العلمية الحديثة التي تحظى
باهتمام متزايد في أبحاث تشخيص ومتابعة الأورام
وتعتمد الخزعة السائلة على تحليل عينة دم للبحث عن أجزاء دقيقة من المادة الوراثية التي تطلقها
الخلايا السرطانية إلى مجرى الدم، ومن أبرزها ما يعرف بـ«DNA الورم المنتشر في الدم» (ctDNA)
وبحسب المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة (NCI)، فإن ctDNA عبارة عن أجزاء صغيرة
من الحمض النووي تطلقها الخلايا السرطانية إلى الدم، ويمكن تحليلها للكشف عن تغيرات جينية
مرتبطة بالورم، إلى جانب دراسة إمكانية استخدامها في تقييم استجابة السرطان للعلاج ورصد عودة المرض
كيف تعمل الخزعة السائلة؟
على عكس الخزعة التقليدية التي تتطلب الحصول على قطعة من الورم أو النسيج، تعتمد الخزعة السائلة
على سحب عينة دم والبحث داخلها عن آثار المادة الوراثية القادمة من الورم
وقد يطلق الورم أجزاء من الحمض النووي الخاص به في مجرى الدم، حتى عندما تكون كمية المرض
صغيرة للغاية، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة إمكانية الاستفادة من هذه الآثار في متابعة المرضى بعد العلاج
لكن كمية ctDNA في الدم قد تكون منخفضة جدًا، خصوصًا عندما يكون حجم المرض محدودًا
ولذلك فإن عدم اكتشافه لا يعني بالضرورة عدم وجود خلايا سرطانية في الجسم
هل يمكن أن تكشف عودة السرطان قبل ظهورها في الأشعة؟
يُعد هذا السؤال من أبرز محاور الأبحاث الحالية المتعلقة بالخزعة السائلة
ويشير المعهد الوطني للسرطان إلى أن اكتشاف ctDNA بعد علاج السرطان قد يساعد في التعرف
على ما يسمى «المرض المتبقي الدقيق» (MRD)، وهو وجود أعداد صغيرة جدًا من الخلايا السرطانية
قد لا تظهر في فحوص التصوير التقليدية
وفي سرطان الثدي، تجرى دراسات سريرية لبحث ما إذا كان اكتشاف ctDNA في الدم يمكن أن يساعد
على التنبؤ بعودة المرض قبل ظهورها سريريًا أو في الأشعة
وتبحث تجارب سريرية تابعة للمعهد الوطني للسرطان إمكانية استخدام ctDNA للكشف المبكر عن
عودة سرطان الثدي وتحديد المرضى الأكثر عرضة للانتكاس
ماذا يعني ظهور ctDNA في الدم؟
إذا أظهر تحليل متخصص وجود ctDNA بعد العلاج، فقد يكون ذلك مؤشرًا على وجود خلايا سرطانية
متبقية في الجسم، حتى في حال عدم ظهور عودة واضحة للمرض في فحوص الأشعة
لكن النتيجة الإيجابية لا تعني بمفردها وجود ورم يمكن رؤيته، ولا تؤكد بصورة قاطعة أن السرطان سيعود
ولهذا تدرس الأبحاث الخزعة السائلة باعتبارها أداة يمكن أن تعمل إلى جانب الأشعة والفحوص الطبية
وليس بديلًا تلقائيًا عن وسائل المتابعة التقليدية
ماذا تعني النتيجة السلبية؟
عدم اكتشاف ctDNA لا يعني ضمان عدم عودة السرطان
فقد يكون عدد الخلايا السرطانية المتبقية محدودًا للغاية بحيث لا تطلق كمية يمكن اكتشافها من
المادة الوراثية في الدم، كما قد لا يتمكن الاختبار من رصد جميع التغيرات الموجودة في الورم
لذلك، لا تلغي النتيجة السلبية أهمية المتابعة الطبية التي يحددها الطبيب، بما يشمل الفحص الإكلينيكي
والأشعة والفحوص اللازمة وفقًا لحالة كل مريض
هل الخزعة السائلة أفضل من الخزعة التقليدية؟
لا يمكن القول إن إحدى الطريقتين أفضل بشكل مطلق، إذ لكل منهما استخداماته ومميزاته
فالخزعة التقليدية تتيح فحص نسيج الورم نفسه تحت المجهر وإجراء تحاليل دقيقة على الخلايا
بينما تتميز الخزعة السائلة بأنها أقل تدخلًا ولا تتطلب إجراءً جراحيًا للحصول على العينة
وتتواصل الأبحاث لتحديد الحالات التي يمكن أن توفر فيها الخزعة السائلة معلومات كافية، والحالات
التي تظل فيها خزعة الأنسجة ضرورية
سرطان الثدي في مقدمة الأبحاث
يحظى سرطان الثدي باهتمام كبير في مجال أبحاث الخزعة السائلة، خاصة فيما يتعلق بالكشف عن
المرض المتبقي بعد العلاج وتحديد النساء الأكثر عرضة لعودة السرطان
وأشارت دراسات إلى وجود ارتباط بين اكتشاف مؤشرات على وجود خلايا سرطانية في الدم بعد سنوات
من تشخيص سرطان الثدي وزيادة خطر عودة المرض لدى بعض المريضات، إلا أن هذه النتائج لم تكن
كافية في ذلك الوقت لتغيير الممارسة الطبية المعتادة
وتتجه الأبحاث الحالية بصورة أكبر إلى متابعة ctDNA بشكل متكرر بعد العلاج، لمعرفة مدى إمكانية
استخدامه في الكشف المبكر عن المرض المتبقي أو عودة السرطان
هل يمكن أن تغير الخزعة السائلة خطة العلاج؟
هذا أحد أهم الأسئلة التي تسعى الدراسات السريرية الحديثة إلى الإجابة عنها
ويبحث العلماء إمكانية استخدام نتائج ctDNA في تحديد المرضى الذين قد يحتاجون إلى تدخل
علاجي مبكر، بدلًا من انتظار ظهور عودة السرطان في الأشعة
وتوجد بالفعل تجارب سريرية تدرس استراتيجيات علاجية تعتمد على ظهور ctDNA لدى بعض مرضى
سرطان الثدي، إلا أن هذه الاستخدامات لا تزال قيد البحث، ولا تعني أن كل مريض تظهر لديه نتيجة
إيجابية يجب أن يبدأ علاجًا جديدًا بصورة فورية
وتواصل الدراسات العلمية تقييم دقة الخزعة السائلة، وتحديد الحالات التي يمكن أن تسهم فيها
بالفعل في تغيير طريقة علاج ومتابعة مرضى السرطان


