الجمعة ١١ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
01:32:11pm

شريان التاريخ والدماء.. 5 حكايات خالدة من ملحمة قناة

الجمعة ١١ - سبتمبر - ٢٠٢٦

لا تتجاوز قناة السويس كونها مجرد ممر مائي صناعي يربط بين البحرين المتوسط والأحمر، وإنما تمثل

شاهدا حيا على صفحات مهمة من التاريخ المصري والعالمي، ومسرحا شهد فصولا متباينة من المعاناة

والصراع والإرادة الوطنية، بداية من أعمال الحفر وما صاحبها من ظروف قاسية، مرورا بافتتاح القناة

وتأميمها، وصولا إلى ملحمة تعويم السفن في العصر الحديث.

 

وعلى ضفاف هذا الشريان الملاحي العالمي، تلاقت قصص الصراع والإرادة الإنسانية، لتصنع إرثا تاريخيا

ظل حاضرا في الذاكرة المصرية والعالمية.

 

وفي السطور التالية، نستعرض 5 حكايات خالدة ارتبطت بتاريخ قناة السويس، وحفرت مكانها في

صفحات التاريخ.

 

1. أرواح على ضفاف المجرى.. مأساة الحفر بالسخرة

بين عامي 1859 و1869، بدأت أعمال حفر قناة السويس تحت إشراف المهندس الفرنسي

فرديناند دي لسبس، وشارك في تنفيذ المشروع آلاف المصريين، في ظل نظام السخرة الذي كان

معمولا به في مصر آنذاك.

 

وعمل الفلاحون المصريون في ظروف شديدة القسوة، وسط بيئة صحراوية صعبة ونقص في المياه

والإمكانات، كما تعرض عدد كبير منهم للأمراض والإرهاق، ما جعل مرحلة الحفر واحدة من أكثر

الصفحات إثارة للجدل في تاريخ إنشاء القناة.

 

ومع مرور الوقت، شهدت ظروف العمل تغييرات وضغوطا دولية متزايدة للحد من نظام السخرة، إلى أن

اكتمل المشروع وافتتحت قناة السويس للملاحة عام 1869.

 

2. "أوجيني" تفتح الأبواب.. يوم أبهر العالم

في 17 نوفمبر عام 1869، شهد العالم افتتاح قناة السويس رسميا أمام الملاحة، في احتفالية ضخمة

أقيمت بحضور عدد كبير من ملوك وأمراء وشخصيات سياسية من مختلف دول العالم.

 

وكانت السفينة الإمبراطورية الفرنسية "أوجيني" في مقدمة السفن التي عبرت القناة خلال الاحتفالات

وعلى متنها الإمبراطورة أوجيني، زوجة الإمبراطور نابليون الثالث.

 

وجاء افتتاح القناة ليحدث تحولا كبيرا في حركة التجارة والملاحة الدولية، بعدما وفر طريقا أقصر بين

أوروبا وآسيا، واختصر المسافات البحرية التي كانت السفن تقطعها عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

 

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت قناة السويس واحدة من أهم الممرات الملاحية في العالم، واحتلت موقعا

استراتيجيا بارزا في حركة التجارة الدولية.

 

3."أممْت شركة قناة السويس".. قرار التأميم ومعركة السيادة

في 26 يوليو عام 1956، أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، خلال خطاب تاريخي في ميدان

المنشية بالإسكندرية، قرار تأميم شركة قناة السويس البحرية، لتنتقل ملكية الشركة إلى الدولة المصرية.

 

ولم يكن قرار التأميم مجرد إجراء اقتصادي، وإنما مثل نقطة تحول بارزة في تاريخ مصر والمنطقة

ورسخ مبدأ السيادة الوطنية على أحد أهم المرافق الاستراتيجية في البلاد.

 

وعقب القرار، تعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956، بمشاركة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، إلا أن

المقاومة المصرية والضغوط الدولية أسهمت في إفشال أهداف العدوان، واستمرت القناة تحت السيادة

والإدارة المصرية.

 

4. أسرى البحيرة المرة.. حكاية "أسطول البحيرة المرة"

 

عقب اندلاع حرب يونيو عام 1967، أغلقت قناة السويس أمام حركة الملاحة، ما أدى إلى

احتجاز 14 سفينة تجارية في منطقة البحيرات المرة، وظلت السفن عالقة هناك لنحو ثماني سنوات

حتى أعيد فتح القناة للملاحة عام 1975.

 

وعرف هذا التجمع من السفن باسم "الأسطول الأصفر"، نسبة إلى الرمال التي تراكمت على السفن

خلال سنوات بقائها في البحيرات المرة.

 

ورغم طول فترة الانتظار والظروف الاستثنائية التي عاشها أطقم السفن، نجح البحارة في تنظيم حياتهم

داخل هذا المجتمع الصغير، وأقاموا أنشطة رياضية واجتماعية، من بينها تنظيم مباريات لكرة القدم

لتصبح قصتهم واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية طرافة وإثارة المرتبطة بتاريخ قناة السويس.

 

وظلت السفن عالقة حتى إعادة افتتاح القناة أمام الملاحة في يونيو 1975، لتبدأ رحلة العودة بعد

سنوات طويلة من الانتظار.

 

5. ملحمة العصر الحديث.. حين جنحت "إيفرجيفين" وتوقفت الملاحة

 

في مارس 2021، شهدت قناة السويس واحدة من أبرز الأزمات الملاحية في العصر الحديث، بعدما

جنحت سفينة الحاويات العملاقة "إيفرجيفين" في القطاع الجنوبي من القناة، وأغلقت

الممر الملاحي في الاتجاهين.

 

وتسببت الأزمة في توقف حركة الملاحة بالقناة لعدة أيام، ما انعكس على حركة التجارة العالمية، وأدى

إلى تراكم أعداد كبيرة من السفن المنتظرة للعبور.

 

وفي مواجهة الأزمة، شاركت فرق الإنقاذ والكراكات والمعدات الهندسية في أعمال التكريك ومحاولات

تعويم السفينة، حتى نجحت الجهود في تحرير "إيفرجيفين" واستئناف حركة الملاحة بالقناة.

 

وأصبحت عملية التعويم واحدة من أبرز الأحداث التي سلطت الضوء عالميا على الأهمية الاستراتيجية

لقناة السويس، وعلى القدرات الفنية والهندسية المستخدمة في إدارة الممر الملاحي والتعامل

مع الأزمات الطارئة.

قناة السويس.. تاريخ من التحدي والإرادة

 

وتبقى قناة السويس أكثر من مجرد ممر مائي تعبره السفن يوميا، فهي سجل حي لحقب متعاقبة من

التاريخ المصري، وشاهد على قدرة المصريين على مواجهة التحديات وصناعة الإنجازات.

 

فمن أعمال الحفر الشاقة، إلى لحظة افتتاح القناة، ثم قرار التأميم ومواجهة العدوان، وصولا إلى ملحمة

إعادة الملاحة بعد جنوح "إيفرجيفين"، ظلت قناة السويس عنوانا للإرادة والتحدي، وشريانا رئيسيا

للتجارة العالمية، يحمل في كل ضفة من ضفافه حكاية من حكايات التاريخ.



موضوعات مشابهه