الجمعة ١٠ - يوليو - ٢٠٢٦ القاهرة
08:58:29pm

من التجميع إلى التصنيع... حين تتحول الرؤية إلى مشروع وطن

الجمعة ١٠ - يوليو - ٢٠٢٦

بقلم. د.فريد شوقي

ليست كل التصريحات تمر مرور الكرام، فهناك تصريحات تكشف عن رؤية، وتعلن عن مرحلة جديدة

وتؤكد أن الدولة لم تعد تكتفي بإدارة الحاضر، بل تعمل على صناعة المستقبل

 

ما أعلنه وزير الصناعة بشأن الانتقال من تجميع السيارات إلى التصنيع الفعلي، وتعميق المكون المحلي

وجذب كبرى الشركات العالمية، لا يمثل مجرد خطة لقطاع صناعي، بل يعكس توجهاً استراتيجياً يمكن

أن يغير شكل الاقتصاد المصري لعقود قادمة إذا نُفذ بالسرعة والكفاءة المطلوبة

 

الدول لا تُقاس بعدد السيارات التي تُجمع داخل مصانعها، وإنما تُقاس بما تمتلكه من تكنولوجيا

وما تنتجه من معرفة، وما تصنعه من قيمة مضافة. والفارق بين دولة تشتري التكنولوجيا ودولة تصنعها

هو الفارق بين اقتصاد يستهلك واقتصاد يقود

 

إن صناعة السيارات ليست مجرد خطوط إنتاج، بل منظومة متكاملة تبدأ بالبحث العلمي، وتمر بالصناعات

المغذية، والهندسة، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتنتهي بمنتج يحمل عبارة

"صنع في مصر" ويستطيع المنافسة في الأسواق العالمية

 

وعندما يصبح هدفنا جذب الشركات العالمية مع نقل التكنولوجيا وتأهيل المهندسين والفنيين المصريين

فإننا لا نبني مصانع فقط، بل نبني جيلاً جديداً من العقول القادرة على الابتكار والإنتاج والتصدير

 

لدينا موقع جغرافي استثنائي، ولدينا اتفاقيات تجارية واسعة، ولدينا سوق محلية كبيرة، ولدينا شباب

يمتلك القدرة على التعلم والإبداع. وعندما تتكامل هذه العناصر مع رؤية صناعية واضحة، تصبح مصر

مؤهلة لأن تتحول إلى مركز إقليمي حقيقي لصناعة السيارات في الشرق الأوسط وأفريقيا

 

إن النجاح الحقيقي لن يكون في زيادة عدد السيارات المنتجة فقط، وإنما في ارتفاع نسبة المكون المحلي

عاماً بعد عام، وفي ظهور شركات مصرية قادرة على تصنيع أجزاء رئيسية، ثم تصميم منتجاتها

ثم المنافسة عالمياً

 

عندها فقط نكون قد انتقلنا من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يصنع ويصدر المعرفة والمنتج معاً

 

التاريخ يعلمنا أن الأمم التي قررت دخول عالم الصناعة المتقدمة لم تصل بين ليلة وضحاها، لكنها

امتلكت الإرادة، وثبتت على الطريق، واستثمرت في الإنسان قبل الآلة

 

ومصر اليوم تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكرار تلك التجارب الناجحة إذا استمرت وتيرة الإصلاح

والتطوير بنفس العزيمة

 

إن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع أن يعمل بروح الفريق الواحد؛ حكومة، وقطاعاً خاصاً، وجامعات

 ومراكز بحث، ومؤسسات تمويل، وإعلاماً وطنياً يزرع الثقة في قدرة المصريين على الإنجاز

 

فالمشروعات الكبرى لا تنجح بالقرارات وحدها، وإنما بثقافة تؤمن أن المستحيل يمكن أن يصبح واقعاً

 

كل التحية لكل مسؤول يضع نصب عينيه بناء اقتصاد إنتاجي قوي، ويؤمن بأن الاستثمار في الصناعة

هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن بناء الإنسان المصري ونقل التكنولوجيا إليه هو الضمان الحقيقي

لمستقبل أكثر قوة واستقلالاً

 

إنها ليست مجرد صناعة سيارات... إنها صناعة مستقبل وطن

 

وإذا أحسنا التنفيذ، فقد ننظر بعد سنوات إلى هذه اللحظة باعتبارها إحدى أهم نقاط التحول في

تاريخ الصناعة المصرية الحديثة، ونقلة نوعية ستنعكس على فرص العمل، والصادرات، وقوة الاقتصاد

ومكانة مصر الإقليمية والدولية. فالأمم العظيمة لا تنتظر المستقبل... بل تقوم بصناعته

 

د.فريد شوقي … ابن الشعب



موضوعات مشابهه