الثلاثاء ١٠ - فبراير - ٢٠٢٦ القاهرة
02:08:26pm

من له مثل أولياتى.. كوكب حفنى ناصف.. أول امرأة تحصل على عضوية نقابة الأطباء وأول مديرة مستشفى

الثلاثاء ١٢ - مارس - ٢٠٢٦

فى 17 أكتوبر عام 1918 كانت الطالبة كوكب حفنى ناصف تحاول النوم فى القسم الداخلى بمدرسة الحلمية الجديدة التى تدرس بها، ولكنها شعرت بغصة وبأن حدثا سيئا سيحدث ووجدت نفسها تبكى بلا سبب

 

وحين لاحظت الضابطة المشرفة وسألتها عن سبب بكائها ادعت أنها تعانى من ألم بضرسها، فمنحتها الضابطة بعض المسكنات

 

ولم يمر سوى ساعة أو ساعتين حتى أتت الضابطة وأخبرت كوكب بأن المدرسة أرسلت لأسرتها وأن شقيقها عصام الدين وصل ليصطحبها إلى المنزل، تعجبت كوكب وشعرت بالقلق حين رأت شقيقها والدموع تملأ عينيه

 

وعندما سألته عن السبب ادعى أن والده ضربه، فلم تصدق لأن والدها حفنى بك ناصف الرجل المستنير والعالم اللغوى ورجل العلم والدين والقانون

 

وأحد مؤسسى الجامعة المصرية والمجمع اللغوى لم يعتد أن يضرب أحدا من أبنائه السبعة  ملك وجلال الدين ومجد الدين وحنيفة وعصام الدين وصلاح الدين وكوكب

 

ركبت كوكب الحنطور مع شقيقها ووصلت إلى المنزل فسمعت أصوات بكاء ونحيب، أسرعت لتجد شقيقتها الكبرى ملك حفنى ناصف الشاعرة والأديبة وأول فتاة تحصل على الابتدائية مسجاة على سريرها بعد أن فاضت روحها

 

بينما تبكى أختها حنيفة إلى جوارها، صعقت كوكب من الصدمة ونظرت لوالدتها فإذا بالأم تنهار قائلة: «أختك ماتت»، دارت الدنيا بكوكب، وكانت صدمة عمرها التى لم تستطع تجاوزها، فلشقيقتها ملك تأثير كبير فى حياتها

 

كانت تعبترها أمها لا شقيقتها تعلمت منها الشعر والأدب وحب العلم والتعليم، وتولت ملك رعايتها أكثر من والدتها التى كانت تقدمت فى السن وأصابها المرض

 

كما ساعدتها على تجاوز ما كانت تلقاه من تنمر بسبب سمرة بشرتها من خلال أبيات الشعر التى تتغزل فى البشرة السمراء، وحزنت مصر كلها لوفاة ملك التى لم تتجاوز 33 عاما

 

وتوقفت جميع المدارس ومشى فى جنازتها أكثر من 20 ألف شخصا من شبرا للإمام الشافعى وكانت أول امرأة يقام لها حفل تأبين، حيث أقيم هذا الحفل بالجامعة المصرية وشيعها كبار رجال ونساء الفكر والثقافة

 

ولم يتحمل والدها وفاة كبرى بناته التى ارتبط بها ارتباطا كبيرا واشتد عليه المرض فرحل بعد أربعة أشهر من وفاتها فى 26 فبراير 1919 ولدت كوكب حفنى ناصف فى 20 إبريل عام

1905

 

وأحاطها والدها برعايته وحبه وحرصه على التعليم كما فعل مع باقى إخوتها، حيث كان مؤمنا بقيمة العلم وحق الفتاة فى التعليم، فالأب وكما ورد فى ورقة مكتوبة بخط اليد ضمن مجموعة كوكب حفنى ناصف، بمؤسسة المرأة والذاكرة

 

درس فى الأزهر ثم فى كلية دار العلوم وعمل مدرسا للصم والبكم، ثم التحق بمدرسة الحقوق وأصبح قاضيا شرعيا ثم عمل بوزارة المعارف وتدرج فيها إلى كبير مفتشى اللغة العربية

 

وقام هو ومجموعة من الأزهريين بمراجعة القرآن الكريم وإعرابه لعمل تشكيل الحروف وكان من مؤسسى الجامعة المصرية، وزار عدة دول أوروبية لإعداد المناهج وقام بالتدريس بالجامعة

 

كما كان من مؤسسى مجمع اللغة العربية وكان يكتب الشعر والنثر. وفى حوار نادر أجرته الدكتورة كوكب حفنى ناصف عام 1998 قبل وفاتها بعام، مع الدكتورة هدى الصدة لصالح مؤسسة المرأة والذاكرة

 

تحدثت كوكب عن البيئة التى نشأت فيها وكيف كانت أسرتها محبة للعلم وتشجع أبنائها عليه: «كانت والدتى تهتم بمعرفة أخبار الناس والمجتمع والسياسة

 

وبارعة فى حل المسائل الحسابية المعقدة دون أن تلجأ إلى الورقة والقلم، كانت تحب التعليم و تشجعنا عليه، طبعا على أيامها مكانش فى مدارس، إنما هى علموها وخصوصا لما قالوا إنها هتتجوز أبويا، لأنه كان متعلم

 

فكملوا لها دراستها فى البيت، وكانت تقرأ الصحف، وتعرف كل الأخبار». تحدثت رائدة الطب خلال حوارها لمؤسسة المرأة والذاكرة عن رحلتها العلمية والمهنية

 

وكيف سافرت فى بعثة لدراسة الطب فى إنجلترا فى عشرينيات القرن الماضى: «طلبت بعثة كتشنر ترشيح طالبتين من مدرسة السنية وطالبتين من مدرسة الحلمية الجديدة وطالبتين من المدارس الأجنبية للسفر فى بعثة إلى إنجلترا

 

واختارونى، لكن ناظرة المدرسة مس هاردينج اعترضت بسبب كراهيتى للإنجليز، ولكن سعد بك براده تدخل»، سافرت كوكب إلى انجلتر لدراسة الطب عام 1922

 

وتذكر من زميلاتها اللاتى سافرن معها، أنيسة ناجى من مدرسة الحلمية، وتوحيدة عبدالرحمن من مدرسة السنية، وحبيبة عويس من الساكركير، وفتحية حامد من كلية البنات

 

سافرن بالمركب والتحقن بالمرحلة الثانوية، وكانت الدراسة لمدة أربع سنوات يتم بعدها الحصول على التوجيهية الإنجليزية وأتمت دراستها الثانوية ثم التحقت بعد ذلك بكلية الطب

 

وتتذكر أن الدكتور هيلانة سيداروس كانت فى بعثة سابقة لهن وعندما علمت ببعثتهن طلبت من وزارة المعارف نقلها لبعثة كتشنر، و تخرجت قبلهن بعام واحد

 

واستفادت مما تعلمته على يد أختها الأديبة والمفكرة النسوية الراحلة باحثة البادية من الشعر والتطريز أثناء الإجازات الصيفية وساعدها ذلك فى مجال الجراحة

 

عملت كوكب بعد تخرجها فى مستشفى راهبات، وفقا لما ذكرته فى حوارها مع مؤسسة المرأة والذاكرة الذى أجرى بمنزلها، وكانت رغبتها التخصص فى أمراض النساء والولادة

 

فطالبت بنقلها إلى مدينة دبلن بأيرلندا نظرا لوجود كلية متخصصة فى أمراض النساء والولادة بها، و ظلت بدبلن لمدة عام حتى حصلت على دبلوم أمراض النساء والولادة، وعادت فى عام 1932 إلى مصر

 

وعملت بمستشفى كتشنر «مستشفى شبرا العام حاليا»، وكان حلمها أن يصبح جميع العاملين بالمستشفى من المصريين، وعملت فى عدة تخصصات مثل الجراحة والباطنة

 

بالإضافة إلى أمراض النساء. وتذكر أن هدى شعراوى أقامت حفلا كبيرا لأوائل الخريجات الجامعيات، وكانت هى من ضمنهن ومعها سهير القلماوى ولطيفة ناجي

 

تزوجت كوكب الدكتور حسن مدكور وأنجبت بنتان هما «ليلى وبهيرة» واستمرت فى وظيفتها حتى تقاعدت عام 1965، وتفرغت لتربية أحفادها

 

حيث كانت تحب الحياة العائلية، وتميزت بروح الدعابة وخفة الظل وهو ما ظهر فى العديد من الصور الخاصة التى نشرتها مؤسسة المرأة والذاكرة

 

والتى جمعتها بزوجها وبناتها وأحفادها وأفراد عائلتها، وكانت مقولتها التى تجرى على لسانها دائما هى:  الطب هو من صنعنى وعلمنى وأتمنى أن يتذكرنى الناس دائما كطبيبة

 

ورحلت عن عالمنا بعد رحلة عطاء وكفاح كبيرة عام 1999، ليذكرها التاريخ دائما فى سجل الأوليات العظيمات الجسورات



موضوعات مشابهه