من له مثل أولياتي.. منيرة المهدية سلطانة الطرب أول ممثلة مصرية وأول سيدة سجلت أسطوانات وأسست فرقة
السبت ٢٠ - أبريل - ٢٠٢٦
فى 25 أغسطس عام 1915 أعلنت جريدة «الأخبار» حدثا مهما وفارقا فى تاريخ الفن، وهو وقوف أول فنانة مصرية على خشبة المسرح، جاء الخبر تحت عنوان «أول ممثلة مصرية»، معلنا وقوف منيرة المهدية على خشبة المسرح لأول مرة
وهى الخطوة الجريئة التى قابلها الكثيرون بهجوم واستنكار، فلم تكن العائلات تسمح بعمل أبنائها فى الفن وتراه أمرا خارجا عن العادات والتقاليد، فما بالنا باقتحام النساء لهذا المجال
واستمر هذا الوضع حتى قررت منيرة المهدية، أن تكون أول فتاة مصرية تقف على خشبة المسرح، وتفتح المجال للمصريات لدخول مجال التمثيل، فكانت للمهدية دور الريادة وحازت شهرة ومكانة لم يسبقها إليها أحد، وأصبحت سلطانة الطرب
التى خضع لعرش نجوميتها رؤساء وملوك ووزراء وأدباء ومفكرون، وانتشرت أغانيها فى كل أنحاء الوطن العربى، وكانت صاحبة كلمة مسموعة ودور وطنى، تعمل لها قوات الاحتلال الانجليزى ألف حساب
رحلة ومشوار طويل صعدت خلاله تلك الطفلة اليتيمة سلم المجد ووصلت للقمة وتربعت على عرشها لمدة 30 عاما اختلف المؤرخون حول مكان ولادة منيرة ونشأتها الأولى
فطبقا لما جاء فى كتاب «السلطانة منيرة المهدية والغناء فى مصر قبلها وفى زمانها» للدكتورة رتيبة الحفنى، فإن منيرة ولدت عام 1885، فى بيت متواضع بقرية «مهدية» التابعة للإبراهيمية بمحافظة الشرقية
واسمها الحقيقى زكية حسن منصور، فى حين جاء فى حديث أدلت به منيرة لمجلة المسرح عام 1927 أنها نشأت فى الإسكندرية حيث كانت تعيش فى كنف أختها
وغير واضح من حديثها ما إذا كان المولد فى الإسكندرية أم لا
وجاء فى مذكرات منيرة التى صدرت تحت عنوان «ذكريات الطفولة الأولى : «كنت طفلة لا أدرى من أحوالى شيئا وكنت فى الإسكندرية موطن أهلى ومهد نشأتى الأولى، وأدخلونى المدرسة، ووجدت فيها حبسا لحريتى وإرهاقا لعقليتى الصغيرة
فعملت على إيجاد وسيلة لمغادرتها
وأشارت منيرة إلى أنها تعلمت مبادئ القراءة والكتابة والحساب ثم اكتفت بهذا القدر من التعليم
كانت منيرة - بحسب كتاب الدكتورة رتيبة الحفنى - معجبة بصوت المطربة «اللاوندية»، فكانت تندس بين المدعوين فى السرادق لتسمع صوتها وتعلمت منها الكثير، كما ذهبت إلى الحاجة سيدة المطربة المشهورة التى احتضنتها وبدأت تدرس لها سرا
وغنت الصغيرة وأعجب الناس بصوتها العميق الساحر، حتى استمع إليها محمد فرج، أحد أصحاب الملاهى، وأقنعها بالسفر للقاهرة حيث الأضواء والشهرة وكان ذلك عام 1905
كان المقهى الذى يملكه محمد فرج، من أصغر المقاهى ويقع بحارة بير الحمص فى باب الشعرية، وكانت المنطقة تعج بمقاه يعمل فيها كبار المطربين والمطربات، وعندما غنت منيرة اشتهر المقهى وأقبل عليه رواد الطرب
ومنهم سلامة حجازى، رائد المسرح فى مصر ومثل «المهدية» الأعلى، وزاد الإقبال على المقهى، وبدأت شركات الاسطوانات تهتم بها وتسجل أغانيها
وبدأت «المهدية» تحس بضيق المكان، فانتقلت لتعمل بملهى الألدرادو، وذاع صيتها، ثم استأجرت مقهى خاصا بها بحى الأزبكية وأطلقت عليه «نزهة النفوس»، وسرعان ما اشتهر حتى أصبح ملتقى الفنانين والأدباء والمفكرين والسياسيين
والوجهاء والأعيان والعمد وكبار التجار، ولم يعد فى مصر كلها مقهى يتمتع بهذه الشهرة
وطبقا لكتاب الدكتورة رتيبة الحفنى، فإن السلطات الإنجليزية اعترفت بالمنزلة الخاصة لمقهى منيرة، فعادت إلى السماح له وحده دون سواه بمزاولة عمله
بعد أن كانت قررت إغلاق جميع المقاهى وأماكن التجمع مع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 وكما ذكر كتاب «السلطانة منيرة المهدية والغناء فى مصر قبلها وفى زمانها» فإن عزيز وافق وأسند إلى منيرة المهدية دور حسن فى رواية للشيخ سلامة حجازى
فكانت أول مصرية تشترك بالتمثيل والغناء مع فرقة مسرحية وذلك صيف عام 1915، رغم أنها بدأت التمثيل على المسرح بدور رجل
ودربها عزيز عيد على الإلقاء والتمثيل وزاد الإقبال على المسرحيات
وطبقا لمجلة الكواكب فإن عزيز عيد ساعد المهدية على الغناء فى لياليه التمثيلية بمسرح برنتانيا، كما مثلت دور وليم فى الفصل الثالث من رواية صلاح الدين الأيوبى
وفى 25 أغسطس 1915 أعلنت جريدة «الأخبار» هذا الحدث الفنى تحت عنوان «أول ممثلة مصرية
وجاءت التفاصيل لتقول: «ُتحيِى فى مساء يوم الخميس ليلة الجمعة 26 الجارى فى تياتروبرنتانيا ليلة يُحتفل فيها بدخول المغنية المشهورة الست منيرة المهدية التمثيل العربى، فتنشد قصيدة استقبال من تلحين الموسيقى المُبدِع كامل الخلعى
تستمر ثلثى ساعة، ثمَّ تمثل لأول مرة دور وليم فى الفصل الثالث من رواية صلاح الدين الأيوبى
وفى الليلة الأولى لعرض المسرحية تدفق الجمهورعلى المسرح لرؤية الممثلة المصرية الأولى والاستماع إلى صوت منيرة، وكان من بين الحاضرين رئيس الحكومة المصرية حسين باشا رشدى، والوزراء وكبار رجال الدولة
وبعد انفصال منيرة المهدية عن فرقة عزيز عيد، قدمت أشهر أعمال سلامة حجازى بعد وفاته، وكانت تقوم بأدواره، لتصبح أول سيدة تمتلك فرقة خاصة، وكان ظهورها على المسرح بمثابة ثورة كبرى، وذكرت مجلة الفن عام
1948 وخصصت «الحفنى» فى كتابها فصلا خاصا عن الدور السياسى للمهدية
قالت فيه: كانت منيرة المهدية تتمتع بشخصية قوية قيادية استطاعت أن تؤدى دورا سياسيا مهما طوال فترة ثورة 1919 تارة بأغانيها الوطنية، وتارة بعلاقاتها الشخصية مع كبار رجال السياسة فى مصر، وكانت السلطات الإنجليزية تعمل لها ألف حساب
وكان الناس يجدون الراحة والأمل والسلوى فى مسرحها الذى جمع الوطنيين الأحرار، فكانوا يتنسمون فيه هواء الحرية
وغنت «منيرة» فى سنوات الثورة العديد من الأغانى الوطنية التى تحث على الانتفاضة وجمع الشمل والوقوف صفا واحدا، ومن بينها أغان خاصة بالزعيم سعد زغلول
الذى أصدر قائد جيوش الاحتلال أمرا عسكريا بسجن كل من يذكر اسمه ستة أشهر مع النفاذ وجلده 20 جلدة، فكان مؤلفو الأغانى يتحايلون على هذا القرار
الذى تحدته منيرة فغنت: شال الحمام حط الحمام من مصر لما للسودان..زغلول وقلبى مال إليه أنده لما احتاج إليه
كان رئيس الوزراء حسين رشدى باشا من رواد مسرح منيرة وأشد المعجبين بها حتى أنه كان يحضر عرض الرواية أكثر من مرة، وكان يجتمع بوزرائه فى عوامتها، فلم يكن يخطر على بال أحد أن مجلس الوزراء منعقد بمنزل المطربة منيرة المهدية
وكانت منيرة تستغل نفوذها فى إطلاق سراح الشباب الوطنى الذين تم اعتقالهم خلال أحداث الثورة ومن هؤلاء الشباب شاب يدعى محمود جبر كان يتردد على مقهى نزهة النفوس وكان بينهما استلطاف
واعتقله الانجليز، فذهبت منيرة إلى دار الحماية لتتوسط للإفراج عنه، فقال لها المعتمد البريطانى: لقد علمت أنك سعيت لإطلاق سراح هذا الرجل مرارا وتكرارا فهل تحبيه وتريدين الزواج منه، ولو كان هذا هو السبب سأحقق رغبتك
وبالفعل اشترط أن يتم الزواج قبل الإفراج عن الشاب، فوافقت منيرة وتم عقد القران بشهادة اثنين موظفين من دار الحماية البريطانية، قبل أن يفرج عن الزوج الذى أخذ يرعى شؤون زوجته ويضاعف أرباحها فيما انشغلت منيرة بفنها وبالتمثيل والغناء
واستمر هذا الزواج 4 سنوات
قدمت منيرة المهدية خلال أربعين عاما حوالى 32 عملا مسرحيا، وكانت أكثر أعمالها المسرحية تحمل دروسا أخلاقية مفيدة - بحسب دكتورة رتيبة الحفنى - وقدمت عشرات الأعمال المسرحية الغنائية التى كتبها عمالقة التاليف والتلحين ومنهم سلامة حجازى وكامل الخلعى
فرح أنطون، وسليم نقاش والشيخ محمد يونس القاضى وداود حسنى وبديع خيرى ومحمد القصبجى ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطى وسيد درويش وزكريا أحمد
ومن هذه الأعمال: «أوبرا كارمن، صلاح الدين الأيوبى، أبو النوم، كلها يومين، عروس الشرق، كليوباترا ومارك أنطونيو، وغيرها، كما قدمت أعمالا مسرحية غنائية خفيفة وبعض الموضوعات الكوميدية الراقية
وكانت أسطواناتها تملأ أنحاء الشرق، وكان مسرحها السبب فى معرفة الجمهور بالموهبة الجديدة محمد عبدالوهاب، الذى رشحه لها أمير الشعراء أحمد شوقى، ليستكمل تلحين رواية كليوابترا ويشاركها التمثيل فيها بدور أنطونيو
وعام 1925 كتب لها بديع خيرى رواية الغندورة التى اشتهرت بها ودرت عليها أرباحا كثيرة، ثم كتب لها الفيلم الوحيد الذى مثلت فيه، حيث أرادت أن تدخل عالم السينما بعد مجدها فى المسرح فقدمت فيلم الغندورة، وغنت ورقصت فيه
وعرض الفيلم عام 1927، ولم تكرر المحاولة بعد هذ الفيلم
سافرت المهدية فى العديد من الرحلات الفنية ومنها عام 1922 فى رحلة استمرت 3 سنوات زارت فيها سوريا ولبنان والعراق وليبيا وفلسطين وتركيا وإيران واحتفت بها هذه البلدان وأطلقت عليها الصحف مطربة الشرق الأولى
ووصل إعجاب السوريين بها أن شركة السجائر الكبرى طبعت صورتها على علب السجائر وأسمتها منيرة، وغنت لسلطان الحج أغنية أسمر ملك روحى، كما غنت فى تركيا فى حضرة مصطفى كمال أتاتورك،
واستقبلت استقبالا حافلا، وفى الاحتفال الكبير ألقى رئيس الجمهورية التركية خطابا جاء فيه: «أشكر السيدة منيرة المهدية على تشريفها لنا وأهنئها على أدائها للغناء العربى، لقد جعلتنى أعشق الموسيقى العربية مع إنى دعوت شعبى فى كثير من المناسبات
إلى نبذ الموسيقى العربية والتركية وتعلم الموسيقى الأفرنجية» وحصلت منيرة على شهرة فى عصرها حتى بدأت المنافسة بينها بين أم كلثوم فى نهاية العشرينيات، انتهت بانتصار كوكب الشرق
ومع تقدم سن منيرة ابتعدت عن الفن فى الوقت الذى ازدادت فيه نجومية أم كلثوم، وبعد 20 عاما من انقطاعها عن الغناء وبالتحديد عام 1948 قررت العودة للمسرح لتمارس نشاطها الفنى من جديد فاستأجرت مسرح كازينو الأوبرا
وقدمت أعمالها المسرحية القديمة لمدة 3 أشهر، ولم تحقق نجاحا، وهاجمتها الصحف، وطبقا لمقال مصطفى أمين، فإنه بعد هذا الفشل شعرت منيرة بأنه بات عليها أن تترك الساحة لأم كلثوم
وبعد اعتزالها تفرغت منيرة لهواياتها وهى تربية الحيوانات الأليفة، وتوفيت فى 11 مارس عام 1965 عن عمر ناهز الثمانين، وفى أواخر أيامها انتقلت للعيش مع أولاد شقيقتها
وحققت أمنيتها قبل وفاتها بالحج إلى بيت الله، ولكن خرجت جنازتها دون أن يرافقها أحد من أهل الفن، وسار خلف النعش خمسة أشخاص حسبما ذكرت الكاتبة الصحفية سناء البيسى فى مقالها «منيرة المهدية الغندورة
الأهرام26 أبريل 2008»، هم حفيدها وثلاثة من أصدقائه، وأمين صندوق معاشات الفنانين، وبوفاة منيرة انطوت صفحة مهمة فى تاريخ الغناء والمسرح الغنائى


