الأربعاء ١٤ - أكتوبر - ٢٠٢٦ القاهرة
01:21:52am

أوروبا تستعد لحرب روسية خفية مع اقتراب الانتخابات

الأربعاء ١٤ - أكتوبر - ٢٠٢٦

تتصاعد مخاوف الاتحاد الأوروبي من اتساع نطاق الهجمات الهجينة داخل القارة، بالتزامن مع اقتراب

سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية المهمة، وسط تحذيرات من محاولات زعزعة استقرار الدول الأوروبية

واختبار قدرة حلف شمال الأطلسي «الناتو» على الرد، في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية

وتصاعد التوترات الأمنية بين موسكو والعواصم الغربية.

 

وذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية أن التهديدات الهجينة أصبحت من أبرز التحديات الأمنية التي

تواجه أوروبا، إذ تمتد تداعيات الحرب إلى أراضي الدول الأوروبية عبر أنشطة تتجاوز المواجهة العسكرية

التقليدية، وتشمل أعمال التخريب والهجمات الإلكترونية وعمليات التأثير والتضليل الإعلامي، بما يثير

مخاوف من اتساع نطاق المواجهة إلى جبهات غير عسكرية.

 

وأشار التقرير إلى حوادث أثارت القلق في مطار لايبزيج بألمانيا خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب مشكلات

استهدفت شبكة السكك الحديدية في بولندا، في وقت تتكرر فيه الحوادث الأمنية التي تثير مخاوف دول

البلطيق وعدد من دول أوروبا الشرقية.

 

وتتعامل الحكومات الأوروبية بحذر مع هذا النوع من التهديدات، نظرًا لصعوبة تحديد طبيعتها والجهة

المسؤولة عنها في بعض الحالات، فضلًا عن إمكانية تنفيذها عبر أطراف وسيطة أو وسائل لا ترتبط

بصورة مباشرة بالمؤسسات الرسمية للدول المشتبه في تورطها.

 

وبحسب التقديرات التي أوردتها الصحيفة، تستهدف هذه العمليات إبقاء الحدود الفاصلة بين الحرب

والسلام غير واضحة، وزيادة الضغوط على الحكومات الأوروبية من خلال حوادث قد تؤدي إلى تعطيل

الخدمات، أو إرباك المؤسسات، أو إثارة مخاوف المواطنين بشأن أمنهم.

 

وتكمن خطورة الهجمات الهجينة في أنها لا تتطلب بالضرورة مواجهة عسكرية واسعة لتحقيق تأثير سياسي

 إذ يمكن لهجوم إلكتروني يستهدف مؤسسة عامة، أو عملية تخريب تطال شبكة نقل، أو حملة تضليل واسعة

أن تفرض أعباء إضافية على السلطات وتثير تساؤلات بشأن قدرتها على حماية المواطنين والبنية التحتية الحيوية.

 

كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي سقوط ضحايا جراء إحدى هذه العمليات إلى تصعيد خطير، يضع

الحكومات الأوروبية وحلف شمال الأطلسي أمام اختبارات سياسية وأمنية معقدة، خصوصًا إذا تعذر

تحديد الجهة المسؤولة بصورة قاطعة، أو اختلفت الدول بشأن طبيعة الرد المناسب.

 

الانتخابات الأوروبية في دائرة المخاوف

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع اقتراب سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية في أوروبا، إذ تخشى

بروكسل استغلال الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الدول الأعضاء للتأثير في النقاش العام

وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وتعميق الاستقطاب بين القوى السياسية.

 

وتشمل المخاطر المحتملة حملات تضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر معلومات مضللة في

توقيتات حساسة، إلى جانب محاولات اختراق مؤسسات عامة أو جهات مرتبطة بالعملية الانتخابية.

وقد تؤدي هذه الأنشطة إلى إثارة الارتباك والشكوك لدى الناخبين، حتى من دون تغيير مباشر في

آليات التصويت أو وجود أدلة على التدخل في النتائج.

 

ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على التأثير في انتخابات بعينها، بل تمتد إلى احتمال إضعاف قدرة

الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات مشتركة بشأن الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مواصلة تقديم

الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لأوكرانيا.

 

فكلما اتسعت الخلافات داخل الدول الأعضاء بشأن الإنفاق الدفاعي، أو المساعدات المقدمة إلى كييف

أو طبيعة العلاقة مع موسكو، ازدادت صعوبة التوصل إلى مواقف أوروبية موحدة. ولهذا، تنظر

المؤسسات الأوروبية إلى حماية المجال المعلوماتي والعملية الديمقراطية باعتبارهما جزءًا أساسيًا من

منظومة الأمن الجماعي، وليس مجرد ملف تقني منفصل عن السياسة الخارجية.

 

ومع ذلك، فإن وجود مخاوف من التدخل الخارجي لا يعني أن كل حادث إلكتروني أو واقعة تخريب أو

حملة تضليل تقف وراءها جهة واحدة؛ إذ يتطلب إسناد المسؤولية إلى روسيا أو غيرها أدلة واضحة

وتحقيقات مستقلة، خصوصًا في العمليات التي تعتمد على وسطاء أو تنفذ بطرق تجعل

مصدرها المباشر غير واضح.

 

الهجمات الهجينة تختبر قدرة الناتو على الرد

وتتمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في المخاوف من أن تؤدي الهجمات الهجينة إلى اختبار قدرة

حلف شمال الأطلسي على تحديد طبيعة التهديدات والاتفاق على آليات الرد عليها.

 

فالهجوم العسكري التقليدي يكون عادة أكثر وضوحًا من حيث الجهة المنفذة وحجم الأضرار، بينما قد تتخذ

العمليات الهجينة شكل تخريب محدود، أو هجوم إلكتروني، أو حملة تضليل، بما يثير تساؤلات بشأن

مستوى خطورتها والإجراءات المناسبة للتعامل معها.

 

وتزداد صعوبة الموقف عندما تستهدف هذه العمليات بنية تحتية مدنية، مثل السكك الحديدية والمطارات

وشبكات الطاقة والاتصالات، إذ يمكن أن تتسبب في تعطيل الخدمات وإرباك حركة النقل، من دون أن

تصل بالضرورة إلى مستوى الهجوم العسكري المباشر.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز التنسيق بين الدول الأوروبية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى

جانب تطوير آليات مشتركة للاستجابة للحوادث وحماية البنية التحتية الحيوية. كما يتطلب التعامل

مع هذه التهديدات تحديد المسؤولية بصورة موثوقة، لتجنب اتخاذ إجراءات غير متناسبة أو الانزلاق

إلى تصعيد لا يستند إلى أدلة كافية.

 

ولا يؤدي وقوع هجوم هجين تلقائيًا إلى تفعيل بند الدفاع الجماعي المنصوص عليه في معاهدة

حلف شمال الأطلسي؛ إذ يعتمد تقييم كل واقعة على طبيعتها وحجمها والظروف المحيطة بها

فضلًا عن القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء.

 

لكن تكرار الهجمات أو سقوط ضحايا قد يزيد الضغوط على الحلف لتوضيح حدود الردع وآليات

التعامل مع الاعتداءات التي تقع دون مستوى الحرب التقليدية.

 

تحديات أمنية مع الحفاظ على الحريات المدنية

ويتمثل التحدي أمام بروكسل في بناء استجابة مشتركة قادرة على حماية المؤسسات الديمقراطية

والخدمات الحيوية، مع الحفاظ على التوازن بين الإجراءات الأمنية والحقوق المدنية، وتجنب التعامل

مع كل خلاف سياسي أو معلومة متداولة باعتبارها تدخلًا أجنبيًا.

 

كما تتطلب حماية الانتخابات تعاونًا بين الحكومات والهيئات الانتخابية وشركات التكنولوجيا

ووسائل الإعلام، إلى جانب توفير معلومات موثوقة للناخبين والتعامل السريع مع محاولات

التلاعب المنظم بالمعلومات.

 

وتظل الشفافية والتحقق من الأخبار عنصرين أساسيين في الحد من تأثير حملات التضليل، من دون

المساس بحرية التعبير أو تحويل الخلاف السياسي الطبيعي إلى قضية أمنية.

 

وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تواجه أوروبا اختبارًا مزدوجًا يتمثل في حماية أمنها

الداخلي من التهديدات التي تتجاوز ساحات القتال، والحفاظ على قدرتها على اتخاذ قرارات

مشتركة بشأن مستقبل الحرب وعلاقاتها مع موسكو.

 

وبينما تتزايد التحذيرات من مخاطر المرحلة المقبلة، يبقى التحدي الرئيسي أمام الدول الأوروبية

هو تنسيق جهودها وتطوير استجابتها للتهديدات الهجينة، من دون السماح للهجمات المحدودة

أو حملات التضليل بتعميق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي أو إضعاف تماسكه السياسي ودعمه لأوكرانيا.



موضوعات مشابهه