نوبل الطب 2026.. اكتشاف يتحكم في خلايا المخ ويفتح باب الأمل لاستعادة البصر
الإثنين ١٢ - أكتوبر - ٢٠٢٦
فتح الاكتشاف العلمي الفائز بجائزة نوبل في الطب لعام 2026 آفاقًا جديدة لفهم المخ البشري، بعدما أتاح
للعلماء التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء، من خلال تقنية تُعرف باسم
«البصريات الوراثية» (Optogenetics)، التي تساعد على دراسة الدوائر العصبية المسؤولة عن الذاكرة
والمشاعر والسلوك، وتمهد الطريق لأبحاث تستهدف أمراضًا عصبية ونفسية، إلى جانب محاولات
استعادة بعض الوظائف البصرية لدى المصابين بالعمى.
ووفقًا لمعهد كارولينسكا السويدي، مُنحت جائزة نوبل في الطب لعام 2026 للعلماء كارل ديسيروث
وبيتر هيجمان وجورج ناجل، تقديرًا لاكتشافاتهم التي أسست لتقنية البصريات الوراثية، ووفرت وسيلة علمية
جديدة لدراسة كيفية عمل الخلايا العصبية داخل المخ الحي.
وتعتمد التقنية على الجمع بين علم الوراثة والضوء، إذ تتيح جعل خلايا عصبية معينة حساسة للضوء، ثم
استخدامه لتنشيطها أو تثبيط نشاطها، ومراقبة تأثير ذلك على وظائف المخ.
كيف بدأت تقنية البصريات الوراثية؟
بدأت قصة هذا الاكتشاف عندما اكتشف العالمان بيتر هيجمان وجورج ناجل بروتينًا حساسًا للضوء يُعرف
باسم «القناة رودوبسين» (Channelrhodopsin)، في أحد أنواع الطحالب وحيدة الخلية.
وعند تعرض هذا البروتين للضوء الأزرق، يسمح بمرور الأيونات عبر غشاء الخلية، ما يؤدي إلى توليد
إشارة كهربائية.
وطور العالم كارل ديسيروث استخدام هذا البروتين في الخلايا العصبية، إذ نجح في إدخال الجين
المسؤول عنه إلى الخلايا العصبية لدى الفئران، ثم استخدام الضوء لتحفيز الإشارات العصبية.
ونُشرت نتائج هذا الإنجاز عام 2005، قبل أن ينجح فريقه في تطبيق التقنية داخل أدمغة
فئران حية عام 2007.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يسمح للعلماء باختبار دور مجموعات محددة من الخلايا العصبية
في وظائف المخ، بدلًا من الاكتفاء بمراقبة نشاطه وتسجيل الارتباطات بين مناطقه المختلفة.
هل يساعد اكتشاف نوبل في علاج أمراض المخ؟
ساعدت تقنية البصريات الوراثية الباحثين على تحديد الدوائر العصبية المرتبطة بذكريات ومشاعر
وسلوكيات معينة، ما يتيح دراسة الاضطرابات التي تتأثر فيها هذه الدوائر، وتحديد أهداف
محتملة لتطوير علاجات مستقبلية.
وتشمل المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذه الأبحاث عددًا من الاضطرابات العصبية والنفسية
مثل الصرع ومرض باركنسون والاكتئاب والقلق، لكن ذلك لا يعني أن التقنية أصبحت علاجًا
معتمدًا لهذه الأمراض.
وتتمثل قيمتها الأساسية حاليًا في مساعدة العلماء على فهم الآليات العصبية المرتبطة بالأمراض بصورة
أكثر دقة، وهو ما قد يسهم في تطوير علاجات تستهدف مسارات محددة داخل المخ، سواء باستخدام
تقنيات جينية أو أدوية أو وسائل أخرى لتنظيم النشاط العصبي.
تجارب سريرية لاستعادة بعض الوظائف البصرية لدى المصابين بالعمى
من أبرز التطبيقات الطبية التي وصلت إلى مرحلة الدراسات السريرية استخدام البصريات الوراثية في
محاولة استعادة بعض الوظائف البصرية لدى المصابين بأمراض تنكسية متقدمة في الشبكية.
ووفقًا لدراسة نُشرت في مجلة «New England Journal of Medicine» في 7 أكتوبر 2026، اختبر
الباحثون علاجًا جينيًا يعتمد على بروتين حساس للضوء يُسمى «ChrimsonR»، لدى 10 مشاركين
يعانون العمى نتيجة المراحل المتقدمة من التهاب الشبكية الصباغي، وهو مرض وراثي يؤدي إلى تدهور
تدريجي في خلايا الشبكية.
واعتمد العلاج على حقن ناقل فيروسي يحمل الجين المسؤول عن البروتين داخل العين، بهدف جعل
الخلايا العقدية في الشبكية قادرة على الاستجابة للضوء، مع استخدام نظارات خاصة تساعد على
تحفيز هذه الخلايا.
وأظهرت النتائج زيادة حساسية العين للضوء لدى 7 من أصل 10 مشاركين، بينما حقق 6 منهم تحسنًا بلغ
الحد المحدد مسبقًا باعتباره ذا أهمية سريرية.
ومع ذلك، كانت الدراسة محدودة العدد ومفتوحة، وركزت بصورة أساسية على تقييم السلامة، كما سُجلت
آثار جانبية متفاوتة الشدة، من بينها حالة شديدة تمثلت في انسداد مؤقت بالشريان المركزي للشبكية
زال خلال دقائق.
وأكد الباحثون الحاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات لتقييم سلامة العلاج وفاعليته، والتحقق من قدرته
على تحسين الرؤية لدى المصابين بفقدان البصر الشديد.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة «رويترز» في 9 أكتوبر 2026، تمثل هذه النتائج تقدمًا واعدًا في مجال
استعادة بعض الوظائف البصرية لدى الأشخاص الذين يعانون فقدانًا شديدًا للبصر، لكنها لا تعني استعادة
الرؤية الطبيعية أو إتاحة العلاج على نطاق واسع حتى الآن.
هل تكشف التقنية أسرار الوعي البشري؟
تتيح البصريات الوراثية دراسة العلاقة بين نشاط الخلايا العصبية ووظائف المخ، بما يشمل تكوين الذكريات
والاستجابات العاطفية والسلوك، لكنها لا تقدم حتى الآن تفسيرًا كاملًا للوعي الإنساني
أو كيفية نشوء التجربة الذاتية.
ووفقًا لمعهد كارولينسكا، تمثل التقنية بداية مرحلة جديدة في رسم خرائط الدوائر العصبية وفهم كيفية
مساهمتها في وظائف المخ، وهو ما قد يساعد مستقبلًا على تفسير بعض الاضطرابات العصبية والنفسية
وتطوير وسائل أكثر دقة لدراستها.
وبذلك، لا يتمثل الإنجاز العلمي المرتبط بتقنية البصريات الوراثية في اكتشاف علاج نهائي لأمراض المخ
بل في توفير أداة علمية متقدمة تتيح للباحثين التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة وفهم دورها
بصورة أكثر دقة، مع فتح الباب أمام تطبيقات طبية واعدة لا يزال كثير منها قيد البحث والتطوير.


