إِدَارَةُ الْمَدَارِسِ الْحُكُومِيَّةِ.. بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْمَأْمُولِ
الثلاثاء ٠٨ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بِقَلَمِ: الدكتورِ/ حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ، الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ
تَقِفُ إِدَارَةُ الْمَدْرَسَةِ الْحُكُومِيَّةِ فِي مِصْرَ الْيَوْمَ فِي مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتٍ مُتَزَايِدَةٍ، جَعَلَتْ مِنْ مَنْصِبِ مُدِيرِ الْمَدْرَسَةِ
وَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِ الْمَنَاصِبِ الْإِدَارِيَّةِ إِرْهَاقًا، فِي ظِلِّ تَعَدُّدِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَتَشَعُّبِ الْمَهَامِّ وَتَزَايُدِ الضُّغُوطِ الْيَوْمِيَّةِ
دُونَ أَنْ تَتَوَافَرَ دَائِمًا الْإِمْكَانَاتُ وَالْمَوَارِدُ اللَّازِمَةُ لِلْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ
وَلَمْ يَعُدْ مُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ يُؤَدِّي دَوْرَهُ التَّرْبَوِيَّ وَالْإِدَارِيَّ فِي بِيئَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ مُطَالَبًا بِالتَّعَامُلِ مَعَ
مَنْظُومَةٍ وَاسِعَةٍ مِنَ الْمُتَطَلَّبَاتِ وَالْجِهَاتِ الرَّقَابِيَّةِ، فِي وَقْتٍ تَتَزَايَدُ فِيهِ أَعْبَاءُ الْعَمَلِ وَتَتَدَاخَلُ الِاخْتِصَاصَاتُ
بِمَا يَنْعَكِسُ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى التَّرْكِيزِ فِي مُهِمَّتِهِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَهِيَ إِدَارَةُ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَتَوْفِيرُ بِيئَةٍ
مُنَاسِبَةٍ لِلطُّلَّابِ وَالْمُعَلِّمِينَ
وَتَبْرُزُ الْمُشْكِلَةُ بِصُورَةٍ أَكْبَرَ مَعَ تَعَدُّدِ جِهَاتِ الْمُتَابَعَةِ وَالتَّفْتِيشِ، سَوَاءٌ مِنَ الْمُدِيرِيَّاتِ وَالْإِدَارَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ
أَوْ بَعْضِ الْجِهَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالتَّنْفِيذِيَّةِ، وَمَا قَدْ يُصَاحِبُ بَعْضَ الزِّيَارَاتِ الْمَيْدَانِيَّةِ مِنْ أَسَالِيبَ لَا تُرَاعِي فِي
بَعْضِ الْأَحْيَانِ طَبِيعَةَ الدَّوْرِ التَّرْبَوِيِّ وَالْإِدَارِيِّ لِمُدِيرِ الْمَدْرَسَةِ، وَهُوَ مَا يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ تَنْظِيمِ مَنْظُومَةِ الْمُتَابَعَةِ
بِمَا يَضْمَنُ أَدَاءَ الرَّقَابَةِ لِدَوْرِهَا، مَعَ الْحِفَاظِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى كَرَامَةِ الْعَامِلِينَ وَهَيْبَةِ الْمُؤَسَّسَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ
أَعْبَاءٌ تَفُوقُ الْإِمْكَانَاتِ
الْمُشْكِلَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لَا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِحَجْمِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ، وَإِنَّمَا بِالْفَجْوَةِ بَيْنَ الْمَطْلُوبِ مِنْ إِدَارَةِ الْمَدْرَسَةِ
وَالْإِمْكَانَاتِ الْمُتَاحَةِ لَهَا
فَمُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ مُطَالَبٌ بِالْحِفَاظِ عَلَى مُسْتَوًى مُنَاسِبٍ مِنَ النَّظَافَةِ دَاخِلَ الْفُصُولِ وَالْمَرَافِقِ وَدَوْرَاتِ الْمِيَاهِ
فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعَانِي فِيهِ بَعْضُ الْمَدَارِسِ مِنْ نَقْصِ عُمَّالِ النَّظَافَةِ
كَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَوْفِيرُ بِيئَةٍ آمِنَةٍ وَمُنْضَبِطَةٍ لِلطُّلَّابِ وَالْعَامِلِينَ، رَغْمَ عَدَمِ تَوَافُرِ الْعَدَدِ الْكَافِي مِنْ أَفْرَادِ الْأَمْنِ
أَوِ الْعَامِلِينَ الْمُكَلَّفِينَ بِهَذِهِ الْمَهَامِّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ
وَلَا تَتَوَقَّفُ الْأَعْبَاءُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، إِذْ تَمْتَدُّ إِلَى أَعْمَالِ الصِّيَانَةِ وَالتَّرْمِيمِ وَدِهَانِ الْأَسْوَارِ وَتَحْسِينِ الْمَرَافِقِ
وَهِيَ مَهَامٌّ تَحْتَاجُ إِلَى مَوَارِدَ مَالِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ وَسَرِيعَةٍ، حَتَّى تَتَمَكَّنَ إِدَارَةُ الْمَدْرَسَةِ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ الِاحْتِيَاجَاتِ
الْعَاجِلَةِ دُونَ الدُّخُولِ فِي إِجْرَاءَاتٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تُعَطِّلُ حَلَّ الْمُشْكِلَاتِ الْبَسِيطَةِ وَالْمُتَكَرِّرَةِ
كَمَا أَنَّ تَرَاجُعَ مُشَارَكَةِ الْمُجْتَمَعِ الْمَحَلِّيِّ وَأَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ فِي دَعْمِ الْمَدَارِسِ يُمَثِّلُ تَحَدِّيًا إِضَافِيًّا، خَاصَّةً فِي
ظِلِّ تَرَاجُعِ الثِّقَةِ لَدَى الْبَعْضِ فِي قُدْرَةِ مَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِ الْحُكُومِيِّ عَلَى تَلْبِيَةِ جَمِيعِ احْتِيَاجَاتِ الْمَدَارِسِ
وَهُوَ مَا أَدَّى فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إِلَى اتِّسَاعِ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ وَمُحِيطِهَا الْمُجْتَمَعِيِّ
الْمَشَاهِدُ الْمَيْدَانِيَّةُ تَسْتَحِقُّ التَّوَقُّفَ
إِنَّ مَا يَظْهَرُ أَحْيَانًا خِلَالَ بَعْضِ الْجَوْلَاتِ الْمَيْدَانِيَّةِ مِنْ شَكَاوَى وَضُغُوطٍ وَانْفِعَالَاتٍ مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِينَ
فِي الْمَدَارِسِ، لَا يَنْبَغِي التَّعَامُلُ مَعَهُ بِاعْتِبَارِهِ مُجَرَّدَ وَقَائِعَ فَرْدِيَّةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِإِعَادَةِ النَّظَرِ
فِي مَنْظُومَةِ الْإِدَارَةِ وَالْمُتَابَعَةِ وَالتَّقْيِيمِ، وَالْبَحْثِ عَنْ أَسْبَابِ الضُّغُوطِ الَّتِي يُوَاجِهُهَا الْعَامِلُونَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ
فَالْهَدَفُ مِنَ الرَّقَابَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَصْدِ الْمُخَالَفَاتِ أَوْ تَوْجِيهِ اللَّوْمِ، وَإِنَّمَا اكْتِشَافُ أَوْجُهِ الْقُصُورِ وَالْعَمَل عَلَى عِلَاجِهَا
كَمَا أَنَّ تَقْيِيمَ أَدَاءِ مُدِيرِ الْمَدْرَسَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَبِطَ بِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ أَدَوَاتٍ وَإِمْكَانَاتٍ تُسَاعِدُهُ
عَلَى تَنْفِيذِ الْمَهَامِّ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ
وَمِنْ غَيْرِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ تَكُونَ الْمَدْرَسَةُ مُطَالَبَةً بِتَحْقِيقِ نَتَائِجَ مِثَالِيَّةٍ فِي النَّظَافَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالِانْضِبَاطِ وَالْأَمْنِ
دُونَ تَوْفِيرِ الْمَوَارِدِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ الَّتِي تُمَكِّنُ إِدَارَتَهَا مِنْ تَحْقِيقِ تِلْكَ الْأَهْدَافِ
الدَّعْمُ الْمَالِيُّ.. ضَرُورَةٌ لَا رَفَاهِيَةٌ
وَيَأْتِي تَوْفِيرُ دَعْمٍ مَالِيٍّ مُسْتَقِلٍّ وَمُبَاشِرٍ لِلْمَدَارِسِ فِي مُقَدِّمَةِ الْحُلُولِ الْمَطْلُوبَةِ
فَمِنَ الضَّرُورِيِّ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي آلِيَّاتِ تَمْوِيلِ الْمَدَارِسِ، بِحَيْثُ تَحْصُلُ كُلُّ مَدْرَسَةٍ عَلَى مُوَازَنَةٍ مُنَاسِبَةٍ
لِطَبِيعَةِ احْتِيَاجَاتِهَا، مَعَ مَنْحِ الْإِدَارَةِ قَدْرًا أَكْبَرَ مِنَ الْمُرُونَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْمَصْرُوفَاتِ الْعَاجِلَةِ
وَالِاحْتِيَاجَاتِ الْيَوْمِيَّةِ
كَمَا يَجِبُ تَطْوِيرُ نِظَامِ السُّلَفِ الْمَالِيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ لِلْمَدَارِسِ، بِمَا يَضْمَنُ أَنْ تَتَنَاسَبَ الْمَوَارِدُ الْمُتَاحَةُ مَعَ
حَجْمِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ الْفِعْلِيَّةِ، بَدَلًا مِنْ تَرْكِ إِدَارَاتِ الْمَدَارِسِ فِي مُوَاجَهَةِ احْتِيَاجَاتٍ مُتَزَايِدَةٍ بِإِمْكَانَاتٍ مَحْدُودَةٍ
تَنْظِيمُ الرَّقَابَةِ وَحِمَايَةُ كَرَامَةِ الْعَامِلِينَ
أَمَّا الْمِحْوَرُ الثَّانِي لِلْإِصْلَاحِ، فَيَتَمَثَّلُ فِي إِعَادَةِ تَنْظِيمِ مَنْظُومَةِ الْمُتَابَعَةِ وَالتَّفْتِيشِ دَاخِلَ الْمَدَارِسِ، بِحَيْثُ
تَكُونُ هُنَاكَ أَدْوَارٌ وَاضِحَةٌ وَمُحَدَّدَةٌ لِكُلِّ جِهَةٍ، وَتَكُونَ الْمُتَابَعَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ مِنْ خِلَالِ الْجِهَاتِ
الْمُتَخَصِّصَةِ، مَعَ التَّنْسِيقِ الْكَامِلِ مَعَ الْجِهَاتِ الْأُخْرَى عِنْدَمَا تَسْتَدْعِي طَبِيعَةُ الْمَهَمَّةِ ذَلِكَ
فَالرَّقَابَةُ ضَرُورَةٌ لَا غِنَى عَنْهَا لِضَمَانِ جَوْدَةِ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، لَكِنَّهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رَقَابَةً مِهْنِيَّةً هَدَفُهَا
الْإِصْلَاحُ وَالتَّطْوِيرُ، لَا مُجَرَّدَ تَسْجِيلِ الْمُلَاحَظَاتِ أَوْ تَحْمِيلِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ
كَمَا أَنَّ احْتِرَامَ الْعَامِلِينَ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ لَا يَتَعَارَضُ بِأَيِّ حَالٍ مَعَ تَطْبِيقِ الْقَانُونِ أَوْ مُحَاسَبَةِ
الْمُقَصِّرِينَ، بَلْ إِنَّ الْحِفَاظَ عَلَى كَرَامَةِ الْمُعَلِّمِ وَمُدِيرِ الْمَدْرَسَةِ يُمَثِّلُ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ بِنَاءِ مُؤَسَّسَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ
قَوِيَّةٍ وَقَادِرَةٍ عَلَى أَدَاءِ رِسَالَتِهَا
مُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْمِ قَبْلَ الْمُحَاسَبَةِ
إِنَّ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ لَا يَبْدَأُ فَقَطْ مِنْ تَطْوِيرِ الْمَنَاهِجِ أَوْ تَحْدِيثِ الْبِنْيَةِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ كَذَلِكَ مِنَ
الْإِنْسَانِ الَّذِي يُدِيرُ الْمَدْرَسَةَ وَيَقِفُ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى لِمُوَاجَهَةِ الْمُشْكِلَاتِ الْيَوْمِيَّةِ
مُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ يَحْتَاجُ إِلَى صَلَاحِيَّاتٍ وَاضِحَةٍ، وَمَوَارِدَ كَافِيَةٍ، وَتَدْرِيبٍ مُسْتَمِرٍّ، وَمَنْظُومَةِ مُتَابَعَةٍ عَادِلَةٍ
قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ مُحَاسَبَتُهُ عَلَى نَتَائِجَ لَا يَمْلِكُ وَحْدَهُ أَدَوَاتِ تَحْقِيقِهَا
وَكَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ، الَّذِي يَقِفُ يَوْمِيًّا دَاخِلَ الْفَصْلِ فِي مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتٍ مُتَزَايِدَةٍ، يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْمِ وَالتَّقْدِيرِ
وَالْبِيئَةِ الْمِهْنِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ رِسَالَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ
وَفِي النِّهَايَةِ، فَإِنَّ الْقَائِمِينَ عَلَى الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ فِي مِصْرَ، مِنْ مُعَلِّمِينَ وَمُدِيرِي مَدَارِسَ وَإِدَارِيِّينَ
يَسْتَحِقُّونَ التَّقْدِيرَ وَالدَّعْمَ، كَمَا يَسْتَحِقُّونَ مَنْظُومَةً إِدَارِيَّةً أَكْثَرَ عَدْلًا وَوُضُوحًا، تُوَازِنُ بَيْنَ
الْمُحَاسَبَةِ وَتَوْفِيرِ الْإِمْكَانَاتِ
فَالْمَطْلُوبُ لَيْسَ إِعْفَاءَ أَحَدٍ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَحْقِيقُ الْمُعَادَلَةِ الْعَادِلَةِ: إِمْكَانَاتٌ تَتَنَاسَبُ مَعَ
الْمَسْؤُولِيَّاتِ، وَصَلَاحِيَّاتٌ وَاضِحَةٌ تُقَابِلُهَا مُحَاسَبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَرَقَابَةٌ هَدَفُهَا الْإِصْلَاحُ، وَاحْتِرَامٌ يَلِيقُ
بِمَنْ يَحْمِلُونَ مَسْؤُولِيَّةَ تَعْلِيمِ وَتَرْبِيَةِ أَجْيَالِ الْمُسْتَقْبَلِ


