حين تكون الرسالة أكبر من المعوقات
الثلاثاء ٠٨ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقي الكاتب والمفكر والخبير التربوي
في وقتٍ أصبح فيه البعض يبحث عن أسهل طريق للهروب من المسؤولية، تظل هناك نماذج مشرّفة
من المعلمين والقيادات التربوية الذين يؤمنون أن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن بناء الإنسان
أعظم من أي منصب أو مكسب.
ومن النماذج التي تستحق التقدير، ما قامت به مديرة إحدى المدارس بالدقهلية، حين لم تقل
«ليس لي شأن»، ولم تقف مكتوفة الأيدي أمام احتياجات مدرستها، بل تحملت المسؤولية، وبذلت من
مالها الخاص من أجل مدرستها وأبنائها الطلاب.
قد تختلف حول بعض التفاصيل، وقد تكون هناك إجراءات تحتاج إلى مراجعة، وهذا أمر طبيعي في
أي عمل مؤسسي؛ لكن ما يستحق التوقف أمامه هو الموقف الإنساني والمهني.
حين تواجهك المعوقات، هناك من يختار الشكوى والانسحاب، وهناك من يقول: «ماذا أستطيع أن أفعل؟»
ثم يبدأ في الفعل.
هذه المديرة اختارت الطريق الأصعب؛ طريق الصبر، وتحمل المسؤولية، والبحث عن حلول، حتى جاء
لقاءها مع محافظ الدقهلية، وعندما وُجه إليها النقد، لم تدخل في جدال أو انفعال، وإنما قدمت ما لديها
من مستندات وما يثبت صحة ما ذكرته.
وهنا يكمن درس مهم:القوة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في امتلاك الدليل.
والحكمة ليست في الهروب من المواجهة، وإنما في اختيار الوقت والطريقة المناسبة لها.
كل التحية لكل معلم ومعلمة، ومدير ومديرة، يعملون في صمت، ويواجهون الصعوبات، ويضعون
مصلحة أبنائنا فوق راحتهم الشخصية.
قد تكون الإمكانات محدودة، وقد تكون المعوقات كثيرة، وقد لا يجد المخلص دائمًا من يصفق له أو يشكره.
لكن تذكروا دائمًا
الأمم لا تُبنى بالإمكانات وحدها، وإنما تُبنى بأشخاص يؤمنون برسالتهم ويصنعون من القليل كثيرًا.
وما أجمل أن يظل المعلم مؤمنًا بأن الطفل الذي يقف أمامه اليوم، قد يكون قائدًا أو عالمًا أو طبيبًا
أو مهندسًا أو إنسانًا صالحًا يحمل مستقبل وطن كامل.
لذلك…لا تجعلوا المعوقات تطفئ شغفكم... ولا تجعلوا قلة الإمكانات تقتل رسالتكم.
ولا تجعلوا عدم التقدير يجعلكم تتوقفون عن صناعة الأثر.
فربما لا يرى أحد ما تفعله اليوم…لكن جيلًا كاملًا قد يحمل أثره غدًا.
كل الاحترام لكل من اختار أن يقول: «هذه مسؤوليتي» بدلًا من «ليس لي شأن».
فهؤلاء هم الذين يستحقون أن نقول لهم
شكرًا لأنكم ما زلتم تؤمنون بأن التعليم رسالة… وأن بناء الإنسان يستحق أن نبذل من أجله الكثير.


