الخميس ٠٣ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
11:54:36am

حين يغرق المكان ولا تغرق الذاكرة.. ميانمار والروهينغا وسؤال العدالة الذي يخشاه العالم

الخميس ٠٣ - سبتمبر - ٢٠٢٦

 

بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

حين تغرق الطرق والبيوت تحت المياه، تتجه أنظار العالم إلى الكارثة الإنسانية، وهذا أمر طبيعي ومطلوب

لكن وسط مشاهد الفيضانات التي تضرب مناطق في ميانمار، يفرض سؤال آخر نفسه بقوة

ماذا عن أولئك الذين صرخوا من قبل طلبًا للنجدة، فلم يسمعهم العالم؟

 

ماذا عن الروهينغا الذين حملوا أطفالهم، وتركوا بيوتهم، وفروا من الموت، بعدما تعرضوا لعمليات

قتل وتهجير وحرق وانتهاكات وثقتها جهات ومنظمات دولية؟

 

لقد شاهد العالم المأساة

شاهد القرى التي أُحرقت، والأسر التي تفرقت، والنساء والأطفال الذين عاشوا الخوف بدلًا من طفولة آمنة

ومئات الآلاف الذين اضطروا إلى النزوح واللجوء

 

ثم ماذا حدث؟

بيانات إدانة… ومواقف مؤقتة… ثم خفت الصوت.... وكأن المأساة تنتهي عندما تنطفئ الكاميرات

 

لكن الحقيقة أن المظلوم لا ينسى، والتاريخ لا ينسى، والله لا ينسى.... الأم التي فقدت طفلها لا تنسى

 

والطفل الذي رأى بيته يحترق لا ينسى.... ومن فقد وطنه تحت وطأة الظلم لا يستطيع أن يعتبر ما حدث

مجرد صفحة وانتهت

 

لا نجزم أن الكارثة عقوبة.. لكننا لا ننسى عدالة السماء... علينا أن نكون واضحين ومنصفين

 

لا يستطيع إنسان أن يجزم بأن فيضانًا أو زلزالًا أو كارثة طبيعية هو عقوبة إلهية على شعب بأكمله

 فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله

 

كما أن الإنسانية تفرض علينا ألا نشمت في مصائب الأبرياء، أيًا كان دينهم أو عرقهم

لكن عدم الشماتة في الكارثة لا يعني أن ننسى الجريمة

وعدم تفسير الكارثة على أنها عقوبة إلهية لا يعني أن ننسى عدالة الله

 

قال تعالى

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾

وقال النبي ﷺ: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».

 

فهل كانت هناك دعوات ارتفعت إلى السماء من قلوب أمهات ثكالى؟

هل كان بين من قُتلوا ظلمًا من رفع يديه وقال: يا رب؟

هل خرجت من بين ركام البيوت المحترقة دعوة لم يسمعها البشر، ولكن سمعها رب البشر؟

 

لا نعلم... لكننا نعلم يقينًا أن الله يسمع دعوة المظلوم، ولا يضيع عنده حق

القضية ليست في الفيضان.. القضية في ذاكرة العالم

القضية ليست أن نفرح بكارثة، ولا أن نتمنى الألم للأبرياء... القضية أكبر من ذلك بكثير

 

القضية هي: هل ما زال العالم يتذكر؟

لماذا يتحرك العالم بسرعة في بعض القضايا، بينما يتباطأ في قضايا أخرى؟

لماذا تتحول بعض الجرائم إلى عناوين يومية، بينما تُترك مآسٍ أخرى حتى تختفي من الذاكرة؟

ولماذا يُطلب من الضحية أن تنسى، بينما لا يُطلب من الجاني أن يجيب؟

 

هذه ليست أسئلة دينية فقط .... إنها أسئلة إنسانية... وأخلاقية.... وقانونية

وأسئلة تكشف اختبارًا حقيقيًا لمصداقية المجتمع الدولي عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان

 

لن ننسى الروهينغا

قد يغرق الماء الطرق والبيوت، لكنه لا يستطيع أن يغرق الذاكرة

وقد تتغير عناوين الأخبار من يوم إلى آخر، لكن دماء الأبرياء ليست خبرًا عابرًا

 

لن ننسى من قُتلوا.... لن ننسى من هُجّروا.... لن ننسى الأطفال الذين عاشوا الخوف بدلًا من طفولة طبيعية

 

لن ننسى الأسر التي اقتُلعت من أرضها.... ولن ننسى أن الجرائم ضد المدنيين لا ينبغي أن تسقط بالتقادم

في ذاكرة الإنسانية

 

نحن لا نريد شماتة في الكارثة، بل نريد عدالة

لا نريد انتقامًا من الأبرياء، بل نريد محاسبة المسؤولين عن الجرائم

لا نريد غضبًا مؤقتًا على مواقع التواصل، بل نريد موقفًا إنسانيًا وقانونيًا حقيقيًا

 

فالظلم لا يملك حصانة أمام عدالة الله

والمجرم قد يفلت من محاسبة البشر فترة، لكنه لا يملك أن يختبئ إلى الأبد خلف الصمت والنسيان

 

قد تتأخر العدالة.. لكنها لا تموت

قد يستطيع الإنسان أن يدفن إنسانًا في الأرض، لكنه لا يستطيع أن يدفن الحقيقة

وقد يستطيع الظالم أن يفلت من محكمة بشرية، لكن ذلك لا يعني أنه أفلت من عدالة الله

تأخر الحساب في نظرنا لا يعني غياب الحساب

وغياب العدالة في لحظة ما لا يعني أن الحق أصبح باطلًا

 

وربما كان أخطر ما يمكن أن يحدث لأي جريمة ليس وقوعها فقط، وإنما أن تتحول بعد سنوات إلى قصة منسية

 

لهذا، فإن تذكر الروهينغا ليس استدعاءً للكراهية، بل دفاع عن مبدأ

أن الإنسان لا يفقد حقه في العدالة لأن العالم انشغل عنه

دكتور فريد شوقي المنزلاوي: لا نريد شماتة.. نريد عدالة

 

وأنا، دكتور فريد شوقي المنزلاوي، لا أرى في مشاهد الكوارث الطبيعية مناسبة للشماتة أو التشفي في الأبرياء

بل أراها فرصة لإعادة طرح سؤال إنساني لم يُغلق ملفه بعد

ماذا فعل العالم من أجل الذين صرخوا طلبًا للنجدة؟

 

شعب عانى.... ومظلومون صرخوا.... وعالم سمع كثيرًا… وتحرك قليلًا

واليوم، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يغرق؟

 

بل يجب أن يكون السؤال أيضًا

من الذي سيُحاسب؟

ومن الذي سيحفظ ذاكرة الضحايا من أن تُدفن معهم؟

ومن الذي سيقول إن دماء الأبرياء ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية؟

 

قد تغرق الأرض تحت الماء… لكن الحقيقة لا تغرق... وقد تخفت أصوات الضحايا

لكن دعوات المظلومين لا تضيع

 

وقد يتأخر حساب البشر… لكن عدالة الله لا تعرف النسيان

 

ويبقى السؤال الذي يجب ألا يموت

إذا كان العالم قد نسي صرخة المظلومين في ميانمار… فهل نسيها الله؟

 

كلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

والحق لا يموت



موضوعات مشابهه