الخميس ١٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦ القاهرة
01:57:36am

فى مستشفى الطب النفسي.. لا يأتي المرضى وحدهم، بل تأتي ضحاياهم!

الخميس ١٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦

بقلم دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

الكاتب والمفكر والخبير التربوى 

هناك عبارات تمر على مسامعنا، لكنها تترك في نفوسنا أثرًا عميقًا، وتجعلنا نتوقف قليلًا لنتأمل حقيقة

العلاقات الإنسانية، وما يمكن أن تفعله القسوة في قلوب البشر.

 

«في مستشفى الطب النفسي.. لا يأتي المرضى وحدهم، بل تأتي ضحاياهم!»

 

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تحمل دعوة للتأمل في علاقات استنزفت النفوس، وكلمات كسرت القلوب

وتصرفات تركت جروحًا لا تُرى بالعين، لكنها تظل حاضرة في الذاكرة.

 

فكم من إنسان أطفأ الابتسامة في وجه من أحبوه، وكم من شخص حوّل حياة أسرته إلى ساحة من القلق

والخوف، وكم من قلب ظل سنوات يحاول التعافي من قسوة إنسان لم يدرك يومًا حجم الألم الذي تسبب فيه!

 

ليس كل جرح ينزف دمًا، وليس كل ألم يستطيع صاحبه أن يشرحه. هناك من يضحك أمام الناس

بينما يخوض داخله معارك لا يعلم عنها أحد شيئًا.

 

الحكمة الأولى: كن مصدرًا للأمان، لا سببًا للخوف

ليست القوة أن تفرض نفسك على الآخرين، بل أن تمنحهم الأمان في وجودك.

 

فلا تجعل لسانك سكينًا، ولا تستخدم أسرار من وثقوا بك سلاحًا ضدهم، ولا تتخذ من الحب

وسيلة للسيطرة، ولا من القرابة مبررًا للإيذاء.

 

تذكّر أن بعض الكلمات تُنسى، لكن أثرها قد يبقى سنوات، وأن الاعتذار قد يرمم جرحًا، لكنه لا يمحو

دائمًا كل ما تركه الألم في النفوس.

 

الحكمة الثانية: ليس كل قربٍ راحة، وليس كل بُعدٍ خسارة

من حقك أن تحب، وأن تسامح، وأن تمنح الآخرين فرصًا جديدة، لكن ليس من واجبك أن تبقى في

علاقة تستنزف روحك وتنتقص من كرامتك.

 

ابتعد عن كل من يتعمد إذلالك، أو يستغل طيبتك، أو يجعلك تشعر دائمًا بأنك مخطئ، مهما حاولت إرضاءه.

فالتسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى، والطيبة لا تعني التنازل عن الكرامة، والرحيل أحيانًا ليس قسوة

 بل ضرورة لحماية النفس.

 

الحكمة الثالثة: راجع نفسك قبل أن تحاسب الآخرين

قبل أن تسأل: لماذا تغيّر فلان؟ ولماذا ابتعد عني من أحببته؟ اسأل نفسك سؤالًا أكثر صدقًا

كيف كان يشعر هذا الإنسان وهو بالقرب مني؟

 

ربما جرحتَ يومًا قلبًا لم يخبرك بحجم ألمه، وربما ظننت أن كلماتك عابرة، بينما ظلت عالقة

في ذاكرة شخص آخر.

 

لا تجعل كبرياءك يمنعك من الاعتذار، ولا تجعل قوتك ذريعة للقسوة، ولا تظن أن صمت الآخرين

دليل على أنهم لم يتألموا.

 

فالنضج الحقيقي ليس أن تنتصر في كل خلاف، بل أن تعرف متى تعتذر، ومتى تتراجع، ومتى

تصلح ما أفسدته أفعالك.

 

الحكمة الرابعة: لا تنتظر الانهيار حتى تبحث عن النجاة

بعض العلاقات لا تنتهي فجأة، بل تستنزف الإنسان ببطء؛ تسلبه ثقته بنفسه، وتجعله يشك في قدراته

وتطفئ فرحته بالأشياء التي كان يحبها.

 

لذلك، انتبه إلى سلامك النفسي، ولا تتردد في طلب المساعدة من شخص تثق به أو من مختص نفسي

حين تشعر بأنك لم تعد قادرًا على تحمّل الضغوط وحدك.

 

ولا تخجل من الابتعاد عن بيئة مؤذية، أو وضع حدود واضحة تحمي بها نفسك. فحياتك النفسية ليست

أمرًا ثانويًا، وراحتك ليست رفاهية، وكرامتك ليست ثمنًا يجب أن تدفعه مقابل استمرار أي علاقة.

 

رسالة إلى كل إنسان

تذكّر أن المرض النفسي ليس وصمة عار، وأن من يعاني منه يستحق الرحمة والرعاية والعلاج، لا الاتهام

أو السخرية. وليس كل إنسان مؤذٍ مريضًا نفسيًا، كما أن كثيرًا من الناس يتألمون بصمت دون أن تظهر

معاناتهم للآخرين.

 

إن المغزى الحقيقي من هذه العبارة ليس إدانة المرضى، بل تذكيرنا بمسؤوليتنا عن الأثر الذي نتركه في

حياة الآخرين، وعن ضرورة أن نتعامل مع بعضنا بالرحمة والاحترام.

 

ازرع الطمأنينة حيثما ذهبت، وكن رحيمًا حين تملك القدرة على القسوة، وعادلًا حين تستطيع استغلال

الآخرين، وابتعد بسلام حين يصبح البقاء استنزافًا لروحك.

 

فليس النجاح أن تصل إلى أعلى المناصب، أو تجمع أكبر قدر من المال، أو تنتصر في كل معركة؛ النجاح

الحقيقي أن تعبر حياة الناس دون أن تترك في قلوبهم ندوبًا، وأن تجد من يدعو لك بصدق لأنك كنت

يومًا سببًا في راحته، لا سببًا في ألمه.

 

وفي النهاية، تذكّر أن الدنيا أقصر من أن نهدرها في إيذاء بعضنا، وأن القلوب أمانة، وأن الإنسان لا يُقاس

بما يملكه من سلطة، بل بما يمنحه من رحمة.

 

ابتعد عن كل علاقة تهدمك، ولا تكن أنت العلاقة التي تهدم غيرك.

 



موضوعات مشابهه