مع مخاوف من حرب عالمية ثالثة.. الملاجئ النووية تعود إلى أوروبا
السبت ٢٤ - أكتوبر - ٢٠٢٦
ألمانيا تحصر المنشآت القابلة للاستخدام وقت الطوارئ.. وبولندا تحدد آلاف نقاط الاحتماء وسط تعزيز الاستعدادات
المدنية
عادت الملاجئ ومرافق الحماية المدنية إلى واجهة الاهتمام في أوروبا، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار
الحرب الروسية الأوكرانية، وتزايد المخاوف من الهجمات الجوية والطائرات المسيّرة والتهديدات الهجينة. وبينما
تتجه دول أوروبية إلى تحديث خطط الطوارئ، وتحديد أماكن الاحتماء، وتطوير أنظمة الإنذار، تكشف المقارنة بين
الدول عن تفاوت واضح في مستويات الاستعداد، بين دول تمتلك شبكات واسعة من الملاجئ، وأخرى تعمل على
إعادة حصر المنشآت القائمة وتأهيلها.
ولا يعني هذا التحرك أن أوروبا تستعد لحرب نووية وشيكة، لكنه يعكس عودة حماية المدنيين إلى صدارة الحسابات
الأمنية، بعدما تراجعت أهمية العديد من منشآت حقبة الحرب الباردة، وأُغلقت بعض الملاجئ أو تحولت إلى
استخدامات أخرى.
ألمانيا تواجه فجوة في قدرات الاحتماء
تواجه ألمانيا تحديات في توفير أماكن الاحتماء العامة مقارنة بعدد سكانها، إذ تشير تقارير منشورة عام 2026 إلى
وجود نحو 579 ملجأ عامًا، بطاقة استيعابية تقارب 480 ألف شخص، وهي سعة محدودة قياسًا بعدد السكان الذي
يتجاوز 80 مليون نسمة.
وفي مواجهة هذه الفجوة، تتجه السلطات الألمانية إلى حصر المواقع التي يمكن استخدامها خلال حالات الطوارئ
بما يشمل مواقف السيارات تحت الأرض والأنفاق ومحطات المترو والأقبية المناسبة، بدلًا من الاعتماد حصريًا
على إنشاء شبكة جديدة واسعة من الملاجئ.
كما أعلنت الحكومة الألمانية حزمة للحماية المدنية بقيمة 10 مليارات يورو حتى عام 2029، تستهدف تعزيز قدرات
الاستجابة للطوارئ، وتطوير وسائل الإنذار، وتوفير المعدات المتخصصة، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية.
ولا يعني تخصيص هذه الأموال توجيهها بالكامل إلى بناء ملاجئ نووية، إذ تشمل الحزمة جوانب متعددة من الحماية
المدنية والاستعداد للأزمات. كما يظل تحويل المنشآت القائمة إلى أماكن آمنة مرهونًا بمدى صلاحيتها الإنشائية
وتجهيزاتها وقدرتها على توفير الحماية المطلوبة، وسهولة الوصول إليها عند الضرورة.
بولندا توسع شبكة نقاط الاحتماء
تتحرك بولندا في مسار مختلف نسبيًا، في ظل موقعها الجغرافي القريب من الحرب في أوكرانيا، حيث تتجه إلى توسيع
نطاق الاستعداد المدني وتحديد مواقع يمكن للسكان اللجوء إليها عند وقوع الطوارئ.
وبحسب المعلومات الواردة في التقارير، أعلنت وزارة الداخلية البولندية في 30 سبتمبر 2026 خطة لوضع علامات
واضحة على أكثر من 86 ألف نقطة احتماء في الأماكن العامة بحلول نهاية العام.
وتشمل هذه النقاط مباني عامة وأقبية ومواقف سيارات تحت الأرض، ويمكن أن توفر مستويات أساسية من الحماية في
حالات متعددة، منها الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة وبعض الاعتداءات والمخاطر المفاجئة.
كما تتيح قاعدة بيانات مخصصة للمواطنين التعرف على مواقع الاحتماء ومستوى الحماية الذي توفره كل منشأة
بما يساعدهم على تحديد الخيارات المتاحة بالقرب منهم.
ومع ذلك، فإن نقاط الاحتماء لا تعادل بالضرورة الملاجئ النووية المحصنة؛ إذ تختلف طبيعة الحماية التي توفرها
بحسب تصميم المبنى وحالته وتجهيزاته ونوع الخطر. وتعمل بولندا بالتوازي على تعزيز قدرات الدفاع المدني
وتطوير خطط حماية السكان والاستجابة للأزمات.
دول البلطيق تعزز خطط الإجلاء وحماية الحدود
ولا تقتصر الاستعدادات الأوروبية على إنشاء الملاجئ أو إعادة تأهيلها، بل تمتد إلى وضع خطط لإجلاء السكان
وتعزيز حماية المناطق الحدودية، لا سيما في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.
وتولي هذه الدول اهتمامًا متزايدًا بتطوير التحصينات والدفاع عن الحدود، بالتوازي مع تحديث خطط الطوارئ
المدنية، التي تشمل تحديد طرق الإجلاء، وتنظيم حركة السكان، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية خلال الأزمات.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في المناطق القريبة من روسيا وبيلاروسيا، حيث يمكن لأي تصعيد عسكري
أن يفرض ضغوطًا سريعة على البنية التحتية وشبكات النقل وخدمات الطوارئ.
وفي المقابل، لا تمتلك جميع الدول الأوروبية شبكات متكاملة من الملاجئ العامة، إذ أصبحت منشآت عديدة تعود
إلى حقبة الحرب الباردة غير صالحة للاستخدام أو غير ملائمة لمتطلبات الحماية الحديثة، ما يدفع بعض الحكومات
إلى تقييم الأقبية والأنفاق والمنشآت القائمة، وتحديد مدى إمكانية الاستفادة منها بدلًا من بناء ملاجئ جديدة على نطاق واسع.
الاتحاد الأوروبي يدعو إلى الاستعداد للطوارئ لمدة 72 ساعة
وعلى المستوى الأوروبي، تتجاوز خطط الاستعداد مسألة الملاجئ لتشمل تعزيز قدرة المجتمعات على التعامل مع
الأزمات العسكرية والطبيعية، وكذلك حالات انقطاع الخدمات أو اضطراب الإمدادات الأساسية.
وفي هذا الإطار، تتضمن استراتيجية الاتحاد الأوروبي للاستعداد للطوارئ تشجيع المواطنين على الاحتفاظ بإمدادات
أساسية تكفي لمدة لا تقل عن 72 ساعة، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز التنسيق بين الدول
وأجهزة الطوارئ.
ويعكس هذا التوجه أهمية الاستعداد المسبق، وعدم الاعتماد على تدخل السلطات وحده عند وقوع الأزمات، من خلال
رفع وعي المواطنين بالإجراءات الواجب اتباعها، وتوفير الاحتياجات الضرورية خلال الساعات الأولى من الطوارئ.
الحماية المدنية تتجاوز وجود الملجأ
وتكشف التحركات الأوروبية أن الاستعداد للطوارئ لا يعتمد على وجود ملجأ فحسب، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل
معرفة أقرب مكان آمن، والالتزام بالتعليمات الرسمية، وتوافر المياه والأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية، فضلًا
عن قدرة السلطات على إيصال التحذيرات بسرعة وكفاءة.
وبين تحديث البنية التحتية، وإعادة تأهيل المنشآت القديمة، وتطوير خطط الإجلاء والإنذار، تسعى الدول الأوروبية
إلى تعزيز قدرتها على حماية المدنيين والتعامل مع سيناريوهات متعددة للأزمات.
وتبقى طبيعة الاستعدادات ومستوى الحماية المتاح مختلفين من دولة إلى أخرى، وفقًا للإمكانات المتوفرة وتقييم
المخاطر والاحتياجات المحلية، في وقت أصبحت فيه الحماية المدنية عنصرًا أساسيًا في التخطيط الأمني.


